الخميس، 5 نوفمبر 2015

الوجه المضيء الذي نجهله عن الرشايدة السودانيين


الوجه المضيء الذي نجهله عن 
الرشايدة السودانيين

مصعب المشـرّف
1 نوفمبر 2015م



مساء الخميس 29 أكتوبر 2015م . بثت قناة "كسلا" الفضائية برنامجاً توثيقياً عن الشعر النبطي ، وضروب اللحن والإيقاع الموسيقي ؛ والمنتج الغنائي السائد لدى قبيلة الرشايدة السودانية التي تقطن مناطق رعوية شاسعة في شرق السودان.

جرى هذا اللقاء التوثيقي مع أحد الشعراء النبطيين الشباب ؛ إضافة إلى المطرب مرشد أحمد رشدان ؛ وعازف أورغ وكورس ؛ وراقصين يافعين من الأولاد والبنات الرشايدة.

الآلات الغنائية المستخدمة لم تكن سوى العود والأورغ يصاحبها صفقات الكورس . وكانت الإيقاعات جميعها على المقام الحجازي الشهير ؛ الذي سمي بهذا الإسم (الحجازي) أو (حجاز) نسبة إلى أن منبعه الأصلي هو منطقة الحجاز الكائنة في السعودية.

لقد أفصح هذا اللقاء عن أننا نضم بين جنباتنا تراثاً موسيقياً لايستهان به ؛ لجهة أن المقام الحجازي بوجه خاص يعتبر الأشهر من بين المقامات العربية... في حين أن الأغلبية العظمى من كافة قطاعات الشعب السوداني ؛ سواء تلك المثقفة أو المبدعة .. أو تلك الجماهيرية العريضة المتلقية لا تعرف عنه شيئا.

الشعر النبطي يؤرخ لبداياته إلى القرن الهجري الثاني والثالث .... وهو عبارة عن شعر منطوق باللهجة العربية الدارجة المحلية في شبه الجزيرة العربية ودول الخليج العربي . ولكنه يتفق في كافة أوزانه وعلوم عروضه مع الشعر  العربي الفصيح ... وكذلك الحال مع إتساق أغراضه من غزل ونسيب ومدح وهجاء ورثاء وحماسة.

وشهد المقام الحجازي بعد بزوغ فجر الحضارة الإسلامية والدولة العربية الحاكمة دفعات قوية ؛ أدت إلى إنتشاره في جميع الأصقاع التي وصلت إليها الفتوحات من الصين شرقا إلى الأندلس غربا.... وكان ملح قصور الملوك والأمراء والولاة وحياة البذخ العربية في الشام ومصر والأندلس.

ولا يزال هذا المقام يتغلغل في الحنايا العربية بوجه خاص حتى يومنا هذا . ومن أشهر المطربين (على المستوى القومي) الذين تغنوا ببعض من أغنيات على أيقاع حجاز خلال الحقبة الناصرية ؛ نرصد كل من عبد الحليم حافظ (مصر) ، وناظم الغزالي (العراق) ، و صباح فخري (سوريا).

من جهة أخرى ؛ فقد نبهتنا مجريات هذا اللقاء التوثيقي الذي أجرته قناة كسلا الفضائية مع مجموعة من المبدعين الرشايدة الشباب في مجال الشعر والموسيقى والغناء ؛ وتصاعد الحوار فيه... نبهتنا إلى أننا كنا ولا نزال على خطأ شنيع ، وسوء في التقدير والإستدلال لمـدى إرتباط أبناء قبيلة الرشايدة بأرضهم السودانية وطناً دائماً .. وأنهم ليسوا كما نظن أنهم إنما يتبعون أنعامهم في مراعيها ، ويعيشون في "كانتونات" منفصلة عن المجتمع السوداني العريض . أو أنهم لا يدينون بالولاء ومقتضيات الإنتماء للأرض  والوطن السوداني الكبير.

نعم كنا ولا نزال نشكك في ولاء الرشايدة للسودان . ونتعامل معهم إجتماعياً وثقافياً على أنهم مجرد لاجئون من أرض الجزيرة العربية بسبب نزاعات على السلطة.

واقع الأمر فإن هذا التباعد بين الجسد السوداني العام من جهة وقبائل الرشايدة من جهة ؛ إنما يعود فقط إلى إحساس عموم أهل السودان بأن الرشايدة عنصريون. ويأنفون من التصاهر العرقي مع كافة القبائل السودانية ؛ سواء تلك التي تعتبر نفسها عربية أو تلك الحامية والزنجية ... حتى لو كلفتهم هذه الأنفة العنصرية تغييباً إجتماعيا ووطنياً . وحالت دون لحاقهم بركب الحضارة.

على أية حال فإن مسألة المصاهرات تبقى مزاجاً وحقوقاً شخصيةً . يتعامل بها البشر فيما بينهم بالرضا والقبول وحده . ومن ثم فلا ينبغي أن نتوقف عندها كثيراً أو نفرضها بنداً من بنود الهوية والمواطنة. فكما يقولون في الأمثال الشعبية : [كل شي بالخناق إلاّ الزواج بالإتفاق] ... وذلك أنه لمن العبث بمكان أن يسعى المرء إلى التصاهر بالقوة مع عرقية أو عائلة لا ترغب به .. فالحياة في هذه الحالة ستصبح جحيماً وقطعة من سقـر .. ولايمكن أن تستمر .... ولن تكون منتجة لكونها تفتقر إلى القبول والإحترام.

وقد كان لفوبيا التصاهر هذه مدخلاً سهلاً لإستغلالها من جانب بعض أصحاب المصالح لدى قبائل الرشايدة وبعض القبائل الرعوية العنصرية الأخرى ..... فجعلوا منها ذريعة لمنع القبيلة من الإستيطان . ومنع أبناءها من الإلتحاق بالتعليم النظامي .... وإنقلاب الكثير من المعايير والمسلمات البديهية رأساً على عقب.

وحسب إعتقادي فإن رؤساء قبائل الرشايدة وفروعها هم الذين يكرسون منذ زمن تلك الفكرة المعشعشة المزمنة في عقول عموم أبناء الرشايدة ؛ لأسباب ترتبط بحرص هؤلاء الرؤساء وزعماء القبائل الحفاظ على مصالحهم لجهة السيادة على القبيلة والإنفراد والإنتفاع ، والإستمتاع بأكبر شريحة من الثروة فيها. وبما يديم لهم القبضة الحديدية على القبيلة ويحيلها بما عليها من إنسان وحيوان ونبات وجماد وموارد طبيعية أخرى إلى مزرعة خاصة بهم.

وعلى العكس من كل ذلك ؛ فقد جاءت مفردات اللقاء الذي اقتصر هذه المرة على المبدعين الشباب من شاعر ومطرب وملحن وعازف وفتيان من قبيلة الرشايدة؛ لايحملون أجندة مصالح سلطوية طبقية ... جاءت جميعها مشبعة ومفعمة بحب عموم أبناء الرشايدة للسودان وإرتباطهم به كوطن .... ولأول مرة تطرق أذناي من أحاديث الرشايدة مقولات ومفردات تشير إلى هذه المعاني الوطنية السامية التي لا تتطرق إليها ألسنة رؤساء القبائل والأعيان منهم.

من جانبة لايبدو الإنسان الرشيدي منشغلاً بالرد على إتهامات بأنه لا يستشعر مواطنته كسوداني ..... ولا ننتظر منه الإجابة الدبلوماسية بلا أو نعم . فواقع الحال ينبيء أكثر من كل مقال. ولكن الأمر يتطلب أن نبادر من جانبنا . ونلتفت إلى ماهية الوسائل والأساليب التي تساهم في جذب الفرد الرشيدي السوداني إلى داخل الحظيرة العامة للوطن . وعلى نحو يكون فيه مطمئناً على إحتفاظه بتراثه وتقاليده وحريته ، دون أن ينفي ذلك أنه جزء لا يتجزأ من النسيج الإجتماعي السوداني المتماسك العميق.

إن أكثر ما أثر في نفسي من خلال الحوار الذي دار في هذا اللقاء المشار إليه ... إستماعي لأول مرة لكلمات صدرت من ألسنة هؤلاء الشباب تحيي معاني الوطنية السودانية ..... وليس أقلها قول الشاعر الشاب أنه "مثل السودان" في مسابقة شاعر المليون بقصائد من الشعر النبطي ...... ثم ولواقع تسلل مسميات وكلمات سودانية خالصة مثل (النيل) و  (القاش) و (كسلا) لتحتل مكانها الطبيعي وسط أبيات هـذا الشعـر النبطي الوافد من صحراء العرب.

وجاءت أيضاً تلك الكلمات الصادقة العفوية المفعمة بمعاني الوطنية ؛ حين تحدث المطرب مرشد رشدان عن مناسبة أغنية له إسمها كسلا .... وكيف أن شاعرها الرشيدي كان قد نوى الإغتراب للعمل بالسعودية .. فشد الرحال من كسلا حتى وصل إلى سواكن ,,,  ولكنه ما أن وصل سواكن حتى إنتابه الشوق والحنين إلى كسلا والقاش ومرابع القبيلة . فشرع ينشد قصيدته تلك وقفل عائداً من سواكن إلى كسلا ، وتخلى نهائيا عن فكرة الإغتراب خارج بلاده.

إن إنشغال البعض بالريبة في ولاء الرشايدة لأرضهم الأصلية في شبه الجزيرة العربية لا أجد له مبرراً .
وهو إهدار بلا طائل للطاقة . وذلك من منطلق أنه لا يوجد بيننا وبين السعودية تاريخ من الغـزو العسكري والإحتلال ودماء سفكت ؛ ونساء وفتيات أغتصبن في المتمة وشندي وسنار وغيرها .... وصراع تفرضه هواجس حاجة البعض حولنا إلى التوسع في الأرض عبر الإحتلال (حلايب / شلاتين / الفشقة / أبيي ) أو الإستيلاء على الثروة والموارد ؛ على نحو يدفعنا إلى التشكيك في ولاء الرشايدة السودانيين للسودان وإعتبارهم بمثابة طابور خامس .

علينا أن نمد أيدينا إلى جيل الصحوة الماثل من شباب أبناء الرشايدة ؛ فالشباب وحده في كل مكان يمثل التربة الصالحة لنمو بذرة التغيير نحو الأفضل.

مطلوب إذن أن يعمل الإعلام السوداني الحكومي أو الهجين على جذب المبدعين الرشايدة إليه ؛ وإتاحة الفرص الواسعة لهم كي يعرضوا منتجاتهم الإبداعية في كافة المجالات وعلى رأسها جانب فنون الغناء لكونه الجانب الذي يستحث إهتمام الشريحة الأكبر من أبناء المجتمع السوداني عامة.

ثم ومن الضرورة بمكان أن تهتم كلية الموسيقى والدراما جامعة السودان بإدراج المقام الحجازي ضمن مقرراتها .... وتخصيص منح دراسية تضع هذا المنتج الفني الرشيدي في مكانه الذي يستحقه كرافد جديد من روافد الأغنية السودانية إلى جانب الإيقاعات الأخرى من دليب ومردوم .... إلخ . وبما يلبي رغبات البعض في التواصل الغنائي والشعري مع المجال العربي عبر المقام الحجازي ومفرداته التعبيرية المتمثلة في الشعر النبطي.

والمطلوب كذلك أن تسارع لجان النصوص إلى الإعتراف بالشعر النبطي كأداة للتعبير  إلى جانب غيره من قوالب وأنماط الشعر العربي في السودان.

ومما لاشك فيه أن العمل بهذه المقترحات سيسهم مستقبلاً في مد جسور التقارب واللحمة بين قبائل الرشايدة السودانية . ومزجها بمجتمعها السوداني العريض . وبما يعطي الأطراف جميعها دفعات قوية لجهة الثراء الحضاري ، ونحو تحقيق المزيد من متطلبات الوحدة والقوة والمنعة.



وبدون مثل هذه الحلول العملية الناجزة . فسيظل كل حوار عن الهوية السودانية مجرد "حوار طرشان" ،....  وسيكون كل كلام فيه من قبيل "كلام الطير في الباقير".