السبت، 14 ديسمبر 2013

نـغـمـة "وصلنا للعالمية" العـويرة


نغمــة "وصلنا للعالمية" العـويرة

 

مصعب المشرّف:

تسود هذه الفترة الكالحة من تاريخنا جملة ونغمة بلهاء مفادها "الوصول للعالمية" .... و "ووصلنا للعالمية" ..... ولا يدري المرء من أي المزابل خرجت علينا هذه النغمة التي يبدو أن بعضنها أطلقها بأسلوب ورائحة شبيهة بتلك الرائحة التي يطلقها حيوان العِـرْسَـة " أبو العفين " من دُبره عندما يخاف ويسعى للتخلص من أعدائه ؛ أو عندما يرغب في إصطياد فرائسه الصغيرة ...... وربما كان أبو العفين معذوراً ؛ فهو يمارس في مثل هذه الحالة طبيعته التي خلقه الله  بها ........ ولا نجد للإنسان عذرا.
 
أبو العفين .. المُفترَى عليه

إذن أطلقها هؤلاء بنفس الرائحة وهربوا .. ثم عادوا فصدقوها بعد أن أصبح عدد كثير من أوسطنا ودراويشنا وبلهاءنا يرددها بحماس الببغاوات السعيدات في الغـدو والرواح ....

ربما يظن البعض أن مجرد إطلاق قناة تلفزيونية فضائية تعني أن العالم أجمع يتفرج عليها ، وأننا بذلك قد وصلنا للعالمية.

ولاننسى تلك الأيام الأولى التي شهدت تدشين قناة "موسيقى سودانية" .. وكيف أن عدة مطربين وموسيقيين وشعراء كبار وصغار وقعوا في فخ  أبو العفين إيّاه ، وراحوا يرددون ويكررون بعفوية نبرة أننا قد وصلنا بهذه القناة الفضائية للعالمية .. ويا بلاش.

لا أرغب في تناول مدى البهاتة والإفلاس الذي إنطلقت به هذه القناة ؛ كونها لم تتمكن حتى تاريخه سوى بث منتجات غنائية قديمة من إنتاج التلفزيون الحكومي خلال السنوات الخمسين الماضية من عمره ..... وحين فاضت بها ساعات البث راحت تعرض أفلام كرتون وأفلام عتيقة ، وغيرها مما لا علاقة له بالموسيقى والغناء السوداني خاصة . وحبذا لو بثت لنا هذه القناة أغنيات أفريقية ، أو لعلها لا تدري أن سوداني وأفريقي تعتبران في عرف العالم وجهان لعملة زنجية واحدة.

لا أدري ماذا يقصد البعض مِنّا بالعالمية ؟ .... وهل المسألة مرتبطة بخطوط وقواعد ومقاييس وشروط ومعطيات متعارف عليها عالمياً ، أم أنها محض أحلام زلوط ، وكلام مرسل ، أو مرض من ضمن أمراض تضخيم الذات ؟ .. أم هي دروشة وقلة تجربة وإحتكاك بالعالم الخارجي؟ ..... وعلى نسق مقولة الشيخ فرح ود تكتوك : (القـلـم ما بيزيــل بــلــم)؟
 
 
وحتى تكون الصورة مقربة أكثر فإن بالإمكان مثلا  القول بأن إنتاج "هوليود" السينمائي قد وصل للعالمية وفقاً للشروط والمقاييس المتعارف عليها .... وأن مايكل جاكسون قد وصل بأدائه الغنائي إلى العالمية ... وأن فرقة أبا السويدية وصلت للعالمية من باب اللغة الإنجليزية . و"بوب مارلي" كذلك .... وأن بوب مارلي مثلاً لم يتمكن من الوصول إلى العالمية إلا بعد أن تخطى لهجته المحلية ، ورضخ للشروط والمقاييس العالمية المتعارف عليها رضينا أو أبينا .. وهي اللجوء إلى اللغة الإنجليزية ، وطرح ومناقشة قضايا عالمية ، وإستخدام آلات الإيقاع العالمية والسلم الموسيقي المتعارف عليه أيضا ، ومزج كل هذا مع إيقاع الريقي بمهارة فائقة وعبقرية إستثنائية لا تعطي ناصيتها لكل من هب ودب ؛ وإن كان من أصحاب الموهبة ... وفوق كل هذا وذاك إتكائه على ماكينة الإنتاج الأمريكية السوبر .
 
شكسبير

وكذلك وصل البعض المئات الآخر للعالمية من مطربين ومخرجين وممثلين سينمائيين وكتاب سينما ومسرح .. إلخ بعد أن أخضعوا إنتاجهم للمقاييس العالمية المتعارف عليها في العالم وأهمها اللغة الإنجليزية .. بل رأينا ممثلين أمثال ألان ديلون وجان بول بلمندو الفرنسيان و سلفستر إستالون الإيطالي .. ولاعب الكاراتيه الصيني بروس لي .... وقائمة طويلة من آخرين ذكور وكذلك إناث أمثال برجيت باردو الفرنسية وصوفيا لورين الإيطالية وانجريد بيرجمان السويدية و رومي شنايدر على سبيل المثال لا الحصر لم يتمكنوا من الوصول للعالمية إلا بعد خضوعهم للمقاييس العالمية المتعارف عليها ؛ وأهمها الإطلالة من خلال هوليود والأداء باللغة الإنجليزية بوصفها اللغة التي تتسيد لغات العالم ... وقس على ذات المقياس كتاب قصص وروايات بالمئات من مختلف القارات والثقافات ؛ لم يصلوا بإنتاجهم المحلي للعالمية إلا بعد ترجمته للغة الإنجليزية ، وتقديمه للقاري داخل هذا القالب اللغوي خضوعا للشروط والمقاييس المشار إليها أعلاه.

بروس لي
وقد شملت هذه الشروط والمقاييس دول عظمى أخرى مثل روسيا واليابان والصين ، لا يعرف لها إبداعاً غنائياً وسينمائياً أو مسرحياً وروائياً وصل إلى العالمية بلغتها الأم مباشرة حتى تاريخه ، رغم أنها في خانة العمالقة على نطاق العالم إقتصادياً وصناعياً وعسكرياً وذات كثافة سكانية.

ولا يقتصر وصف (العالمية) على المنتجات الفنية بل يمتد ليشمل حتى عارضات الأزياء والمنتجات الصناعية والغذائية .. وأهم هذه المنتجات الغذائية نجد "الهوت دوغ" الذي لم يصل للعالمية إلا بعد  أن خرج من ألمانيا إلى الولايات المتحدة أولاً ... وكذلك الهامبرغر . ثم والبيتزا التي لم تصبح وجبة عالمية إلا بعد أن خرجت من إيطاليا إلى الولايات . والعديد من ماركات الشكولاتا العالمية التجارية وغير ذلك من منتجات أخرى شملت حتى الأحذية.

و من الضروري أن يلتفت البعض إلى أن من أهم شروط العالمية أن يتصف المنتج الفني مثلا بصفة الإستمرار بحيث يصبح القاعدة وليس الإستثناء . وأن يتسم كذلك بالشيوع والتداول بين كافة الشعوب والثقافات .. وأن يحظى بالشفافية والمصداقية وإحترام الناس ...... أما أن يخرج مطرب سوداني أو فرقة موسيقية للمشاركة في مهرجان ما مختص بفنون الشعوب  وتراثها فنقول أننا وصلنا به إلى العالمية ؛ ففي هذا مبالغة وإحساس داخلي باليتم والوضاعة.... أو أن يسافر مطرب للغناء للجاليات السودانية المنغلقة على ذاتها في الخارج فنعتبر ذلك وصول للعالمية ، فهو كلام فارغ ؛ لاسيما عندما تلح الكاميرات على إلتقاط وتوثيق حضور شخصين أو ثلاثة أجانب يكون الإثنين منهما أصحاب الصالة  ، والثالث هو الكفيل المحلي الذي أستخرجت بإسمه الرخصة وتأشيرات الدخول للمطرب وفرقته الموسيقية.
 
مدرسة في ولاية البحر الأحمر

حتى البعض البسطاء صدّعوا رأسنا بأن مهرجان البحر الأحمر للسياحة والتسوق قد أوصلنا للعالمية . وأصبحنا ننافس مهرجان كــان ، و دبي ، وهونغ كونغ ، وميلانو ، والبندقية بقوة ..... وربما يظن البعض أن حضور تركيان من أصحاب محلات الشاورما  في بورتسودان لحفل غنائي (بغرض الإطمئنان على أسياخها) في ما يسمى جزافاً بمهرجان السياحة والتسوق إياه دليل دامغ لوصولنا للعالمية ، ويجب تسجيله في موسوعة غينيس للأرقام القياسية .

هل نحن بسطاء وبلهاء ودراويش إلى هذا الحد ؟

أم هل أننا نتعمد الكذب على أنفسنا؟

أم هل هو منتج من منتجات من تسلقوا المناصب الرسمية بليل ؛ دون كفاءة . ودون مواهب سوى موهبة النفاق والقدرة على التلـوّن كالحرباء ؟
 
 
غريب أن يكون هذا حالنا في الوقت الذي نعتبر فيه من الدول الأفريقية والعربية المعدودة في مجال إنتشار التعليم الأكاديمي ... وكانت الثورة المهدية من أهم وأبرز حركات التحرر والتنوير التي سادت السودان في وقت كانت فيه أفريقيا والغالبية العظمى الكاسحة من العالم العربي والآسيوي واللاتيني تعاني الأمية وتقبع راضيـة في ظلمات الجهل وعدم الوعي الوطني.

هل نحن دراويش وبلهاء حقاً أم أنه توجه من الدولة للتعمية والتغطية على جملة من الكوارث الداخلية والفشل في مجال العلاقات الخارجية .. بل وما بتنا نتصف به من قدرة فائقة على "صناعة الفشـل" ؟


وفي هذا الإطار ؛ فإنها إن كانت سياسة دولة ؛ فقطعاً  لا يستوعب ولا يدرك الجهاز الدعائي الرسمي للدولة الذي يتولى تسويق هذه "النبرة الإنصرافية" المليودرامية ... قطعاً لا يدرك أن معدلات الوعي لدى المواطن السوداني قد إرتفعت .. وأن نسبة الأمية قد إنخفضت خلال السنوات التي أعقبت الإستقلال وحتى تاريخه ..... ربما لا  تكون المخرجات التعليمية بذلك القدر من النوعية المرتجاة .. ولكن برغم ذلك فهناك نسبة عالية من الوعي والإدراك قد تشكلت جراء عدة أسباب أهمها توسـع التعليم جغرافياً ، تزايد الهجرة إلى المدينة ، الإغتراب وشيوع المعرفة والقنوات الفضائية العربية ، وعبور ثورة المعلوماتية كل الحدود المغلقة رغم أنف جميع من لا يرغب ...
 
ومن ثم فقد كان ينبغي أخذ هذه المعطيات في الإعتبار عند التخطيط الرسمي في مجال الدعاية وغسل الأدمغة ، وإطلاق أكاذيب كبرى ينصرف بها الشعب إلى فراشه لينام وهو راض إلى حد مّا عن حالة ، ومتوهم لإنجازات تتطابق مع قناعات "قميص فرعون".
 
 
ربما نكون قد وصلنا للعالمية من واقع أمثلة عديدة من منتجات صناعة للفشل لعل أبرزها أننا قد أحرزنا المركز الرابع عالمياً في قائمة الدول الأكثر فسـاداً ...... فساد وصل إلى درجة أكل أموال الزكاة بدمٍ خنزيري بارد ، يندى له جبين أبو جهل وأبو لهب وإمرأته حمالة الحطب .......
 
يا الفريد في عصــرك


 
ثم وأننا أكثر الدول العربية تعرضاً للمجاعات والإصابة بمرض نقص المناعة (الإيدز) .... والقائمة تطول وتتنوع من كل صنف ولون لتشمل كوارث دارفـور ، والباعوض ، والجنادب والتقاوي الفاسـدة .... فهل هذه هي العالمية التي يقصدون بها أم ماذا؟

كارثة دارفور ... أوصلتنا للعالمية
 
دعونا في الأول نلبي طموحنا في الشبع الفسيولوجي والميكانيكي ..... نشبع في بطوننا ونرتوي في عروقنا ، ونعالج أنفسنا من الملاريا والجرب والدرن . ويحصل المواطن على أبسط حقوقه في التعليم والمأوى والعمل والعيش الكريم ، والبيئة الصحية والكهرباء ، وحرية التعبير عن الرأي .. والدستور المتوافق عليه ........ ثم بعد ذلك (إنشـااااء الله) يكون لكل حادثة حديث ..... 

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

البافالــــو الشجــاع


البافالــــو الشجــاع

مصعب المشرّف:
ثور وحشي صغير (بافالو) ضعيف البنية ؛ هاجمه أسدان وشرعا في أكله حياً بطريقة تبدو مؤلمة لم يملك في مواجهتها سوى التلوي والخوار مستنجداً بصديقه الفتوة الشجاع قوي البنية الذي لم يكن على مسافة بعيدة. فسمع صوته وسارع لينقذ صديقه بشجاعة منقطعة النظير ؛ أطاح خلالها بالأسدين في الهواء بعيداً عن صديقه . حدث ذلك في إحدى  حدائق الحيوان المفتوحة المحمية في دولة جنوب أفريقيا.

الرئيس الكوري الشمالي يعدم زوج عمته

الرئيس الكوري الشمالي يعدم زوج عمته

مصعب المشـرّف:
 
تم في كوريا الشمالية مؤخراً تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص على "جانغ سونغ زيك" زوج عمة الرئيس الكوري الشمالي "كيم جونغ أون" .... وفي الوقت الذي رجح فيه المراقبون في كوريا الجنوبية أن المسألة لم تكن أكثر من تنافس على السلطة ؛ إلا أن الأسباب التي نطقت بها المحكمة العسكرية التي حاكمت "جانع سونغ زيك"  تعلقت بالفساد المالي وتعاطي المخدرات والزنـا ، وتهم أخرى تم سردها في لائحة من 2700 كلمة .. وقد وصفه الإعلام الرسمي الكوري الشمالي لاحقاً بأنه لم يكن يساوي كلب ...
حدث كل هذا في الوقت الذي كان فيه زوج عمة الرئيس الكوري من المقربين وكبير المستشارين ومعلمه الخاص . وكان عضواً بارزاً في اللجنة المركزية للحزب ، وعضو في البرلمان والساعد الأيمن .... ولكنها السياسة التي لا تعرف عزيزاً ولا رحمة .
 

 

"جانغ سونغ زيك" زوج عمة الرئيس الكوري الشمالي "كيم جونغ أون" داخل المحكمة عقب سماعه النطق بإعدامه رمياً بالرصاص والذي تم تنفيذه بعد ساعات قليلة ..... وعلى اليمين صورة قديمة له خلف الرئيس الكوري قبل أن يتم حذفها لاحقاً.


المحكمة العسكرية التي حاكمت جونغ سونغ


صورة جانغ سونغ زيك في الإعلام الكوري الشمالي الذي وصفه بأنه لم يكن سوى كلب .



الرئيس الكوري الشمالي "كيم جونغ أون" وإلى جواره معلمه ومستشاره وزوج عمته "جانغ سونغ زيك" في فبراير الماضي



لحظة القبض على "جانغ سونغ زيك" خلال إجتماع موسع للجنة المركزية لحزب العمال الكوري الشمالي بعد أدانته ورفع الحصانة عنه.



أيام الصفاء .... جانغ سونغ زيك يقف على يسـار الصورة . وفي يمين الصورة الرئيس "كيم جونغ أون"

"جانغ سونغ زيك" يسير خلف إبن زوجته الرئيس الكوري الشمالي "كيم جونغ أون" خلال مراسم تشييع والده الرئيس الكوري السابق "كيم جونغ إيل" .



زوج العمة العزيزة "جانغ سونغ زيك" لحظة إقتياده خارج قاعة المحكمة بعد النطق بالحكم عليه وقبل تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص بسويعات 

الأربعاء، 11 ديسمبر 2013

عين أوباما الزائغــة


عين أوباما الزائغــة

مصعب المشرّف:
الذي يموت هذه الأيام يموت وحده ولا أحد يحزن عليه . وخلال مراسم التأبين التي أقيمت بمناسة وفاة الزعيم الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا ؛ بدأ الجميع منشرحا بشوشاً . ومانديلا لم يُدفــن بعــــد . وكانت العين بالطبع على الرئيس الأمريكي أوباما بوصفه رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم ... وقد لفت أوباما الأنظار إليه أضعافاً مضاعفة بسبب جلوسه إلى جوار رئيسة وزراء الدنمارك الشقراء . التي لاتزال روح ورائحة وجاذبية النساء تجري في عروقها .. وفيها أكثــر مــن رمـــق .

وكان واضحا إنبهار الرئيس أوباما بها وبعطرها وخفتها . ثم وإعجابها هي به كذلك ... فقد تبادل الجوز الونسة الحميمية والناعمة كعروسان في منتصف شهر العسل ... في حين ذهبت زوجة الرئيس أوباما في خبر كان إلى جواره بعد أن أطفأتها نيران وأضواء الدنماركية الشقراء التي تصغر أوباما بخمس سنوات.... وحقاً ؛ لا ينسى الرجل المرأة إلا بالمرأة .. ويا ويلكن يا نساء من عين الرجال الزائغة.

كـان في ابداية  حفل التأبين راضي ومقتنع ولسان حاله يردد حمارتي العرجاء خير من سؤال اللئيمة


جات الشقراء المهضومة وقعدت جنبه .. وهاك يا مشاغلات وونسة وتصوير .. ورئيس الوزراء البريطاني (كاميرون) يصر على لعب دور الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة فيسارع إلى وضع الشقراء الدنماركية سندوتش بينه وبين أوباما وحتى تزداد ألتصاقا به.ً


ولكن رئيسة الوزارة الدنماركية الشقراء حجبت الحليف الإستراتيجي عن الصورة تماما وغطت وجهه بيدها . ومفضلة أن تظل بجانب نار واحدة وليس بين نارين  



وشالت الشقراء الكتاب من أوباما وهاك يا هظار فالتفتت نحوه ميشيل الزوجة مستهجنة وقد تملكتها الغيرة .


لم يحدد المصور الذي التقط هذه الصورة ما إذا كانت هذه االبوسة  بوسة إستقبال أم بوسة وداع ؟


أوبـــــامــا والتجـــــربة الدنمــــاركية


صاحب العراق جورج دبليو بوش وتحته بيل كلينتون حضرا في طائرة الرئاسة رفقة أوباما .... الفرق بيننا وبينهم أن الرئيس الجديد عادة ما يسجن الرئيس القديم


وجيمي كارتر وهنري كيسنجر كانا في المعية فالطائرة الرئاسية كبيرة وتسع الجميع

 
الحشد الذي حضر مراسم لتأبين
 

الاثنين، 9 ديسمبر 2013

تساقط الأقنعة الإسلامية من شرُفات القصر الجمهوري


تساقط الأقنعة الإسلامية من شرُفات القصر الجمهوري

مصعب المشـرّف:-

التغيير الذي أصاب ترويكا القصر الجمهوري لم يكن متوقعا لجهة التضحية بعلي عثمان طه من جهة ونديده علي نافع من جهة أخرى دفعة واحدة .... ذلك أن أحدهما فقط كان المتوقع أن يكون ضحية الطرف الآخر ... وليس أن يتم التضحية بهما الجـــوز هكذا دفعة واحدة.

الإحالة إلى العمل الحزبي في حالة الأنظمة الحاكمة في بلدان العالم الثالث عشر ، هي حالة شبيهة بالإحالة إلى المعاش الإختياري مع بعض مساحيق المكياج الرخيص ، وكريمات التبييض المخلوطة  واليمنية المنشأ التي تسلخ وجوه فتياتنا (الأخضر الليمون) لهثا خلف بياض لن يأتي أبدا.
 
قبل أن ينقشع ضباب التوقعات والتخمينات . كان البعض يراهن على أن نافع علي نافع هو الذي سيحتل منصب النائب الأول .. ويبدو أن البعض قد غاب عن ذهنه أن الأساس العسكري لحكومة البشير لا يمكن أن يستمر بدون وجود شخصية عسكرية على رأسه ..... ويبدو أن تعيين الفريق بكري حسن صالح قد جاء تصحيحاً لوضع ظل مائلاً منذ وفاة اللواء الزبير محمد صالح الذي كان يحتل هذا المنصب قبل حادث الطائرة المثير للجدل الذي أودى بحياته عام  1998م.

التخلي عن السلطة طواعية ليست من قناعات وثقافة وديدن ساستنا  وحكامنا ووزراءنا وحتى مدراءنا وغفراءنا .... والتبرير (المبستر) بإفساح المجال للوجوه الجديدة والشباب ، والحديث المنمق عن التضحيات لا يبدو مقنعاً .. ولا يخيل حتى على البلهاء ... لا بل ويبدو مثل العودة بكأس اللعب النظيف وأمثاله من جوائز الترضية التي عادة ما يتم توزيعها على فرقنا الفنية في مهرجانات العروض العربية والعالمية.
 
لم يكن يخفى على أحد أن العلاقة بين عمر البشير ونائبه الأول علي عثمان طه قد إتسمت منذ قرار المحكمة الجنائية الدولية بقدر وافر من جوانب التنافس الصامت ....... وظل البشير في شك من أن طه يعمل مثابراً لتقديم نفسه كرجل دولة مقبول لدى الخارج .... فهل كان التغيير الوزاري الذي جرى بهذا الحجم والنوعية لمجرد إدخال عناسر شابة ؛ أم أنه يجيء  تساقط للأقنعة الإسلامية من فوق شرفات القصر الجمهوري لمصلحة عمر البشير والعسكر أولاً ثم وكجزء من تفاهمات البشير مع الصادق المهدي ... ونصائح الأخير له في تلك الجلسات الرمضانية الثنائية السرية ؟
 
بعض الوزراء الذين خرجوا من التشكيلة الأخيرة يظل خروجهم مفهوما ومبرراً أكثر من مبررات خروج علي عثمان ونافع المعلنة . وذلك أن بعضهم قد طالته إتهامات بالفساد وإستغلال الوظيفة العامة للتكسب الحرام . كما أن البعض الآخر قد سجل فشلاً ذريعاً في إحراز نتائج إيجابية مثمرة كانت ترتجى من تعيينه أو تنصيبه.
 
 
وطالما كان الأمر كذلك فإن ملابسات إبعاد علي عثمان طه بالذات ، وتعيين الفريق بكري لمنصب النائب الأول يعني كل أو جزء من الإحتمالات الآتية:

1-  رغبة الرئيس البشير السيطرة الكاملة على زمام ومقاليد السلطة ، ويجمع في يد واحدة بين رجل القصر القوي ورجل الحزب الحاكم القوي على حساب علي عثمان طه بشكل خاص ؛ بوصفه الوجه الأكثر قبولاً وإقناعاً في المؤتمر الوطني من بين النيازك  والشظايا  التي خلّفها إنفجار نجم الترابي العظيم صبيحة إنقلاب القصر المعروف أواخر عام 1999م.

2-  في التقليل من هيمنة الإخوان المسلمين (جناح علي عثمان) و (جناح نافع) على ترويكا الحكم في القصر الرئاسي ؛ ما يمهد أدواراً شبه محترمة  وخانات إضافية لمزيد من دراويش الأمة القومي ، وحيران الإتحادي الديمقراطي الخديوي الأصل من جهة ؛ بالإضافة إلى كومبارس وشيالين وبغال الأحزاب الإسمية الأخرى التي ترغب في لعب دور ما في مسرحية (أكل عيش)  السارية العرض في التياترو السياسي.

3-  إستعادة دور القوات المسلحة النظامية التقليدي بالمشاركة بالحكم ، وبوصفها الأقدر على حماية النسيج الإجتماعي من التمزق .. وبعد أن أثبتت التجربة أن إبعادها عن مباحثات نيفاشا ، وتهميشها في مباحثات أثيوبيا والدوحة لم ينتج عنه سوى إغفال الكثير من الجوانب الأمنية الإستراتيجية ، وإتاحة الفرصة أمام بعض الطامحين المدنيين بإدعاء تحقيق إنجازات في المفاوضات السياسية عبر إتباع سياسة الكنس تحت السجادة ، ثم وتأتي الأيام لاحقا لتتكشف عن خروقات ومآسي وأخطاء مفصلية تضمنتها بنود سرية وتفاهمات شفهية ربما لم يتم إطلاع الرئيس البشير نفسه عليها في حينها.

4-  ربما يكون الرئيس البشير يفكر جدياً بعدم ترشيح نفسه للرئاسة في دورتها القادمة .... وأنه بتعيين الفريق بكري حسن صالح (والذي هو صديقه المخلص الحميم) يضمن عدم تسليمه لمحكمة الجنايات حتى لو أدى ذلك إلى إستمرار الحصار الذي يتعرض له السودان وعزلته الدبلوماسية التي ظل يعاني منها منذ صدور قرار هذه المحكمة بطلب مثول البشير أمامها. .... وبالطبع فإن عمر البشير ما كان ليثق في أن علي عثمان طه لن يسارع بالتضحية به في وتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية لو أنه أصبح الرئيس خلفاً له.

5-  ربما يكون الرئيس قد أخذ على علي عثمان طه النأي بنفسه عن تلطيخ يديه بدماء وضحايا أحداث دارفور و إنتفاضة 23 سبتمبر . وممانعته الغير معلنة وتعامله بذكاء سياسي يحسد عليه في هذا الجانب ، وحيث نلاحظ أنه دائماً ما كان يعطي العالم الخارجي الإنطباع بأنه رجل دولة وحمامة سلام ومهندس مفاوضات .. فكان أن شال البشير وحده الشيلة . فأصبح هدفا مشروعاً للمحكمة الجنائية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان ، وغير ذلك من إرتدادات وإبتزازات وتصرفات إستفزازية من دول عربية وأفريقية مست شخصه وهيبته في الداخل والخارج كرئيس جمهورية ؛ في الوقت الذي حافظ فيه علي عثمان طه على سجله ناصع البياض. وتمتع بحرية السفر والحركة والإجازات والسياحة والتزحلق على الجليد في كل عواصم الدنيا الباردة والدافئة بما في ذلك أداء الحج وزيارات العمرة ، وعبور الإجواء بكل حرية وسلاسة تستحق الغيرة والغيـــظ ؛ وشـرّ حاســـدٍ إذا حســــد.

6-  وعلى كل حال يظل خروج نافع علي نافع مثيراً للدهشة ؛ كونه لم يكن مزاحماً طبيعياً للبشير على قمة هرم السلطة والحزب .. ويبدو أن الإنطباع المنغرس في الأذهان بأنه وراء الأسلوب العنيف الذي تم به وأد إنتفاضة 23 سبتمبر . وهو الذي أشارت إليه الإدانات ومظاهر الغضب التي واجهته في المواقع الألكترونية الحرة وبعض أحياء العاصمة ... يبدو أنه اقتضى تواريه عن الأنظار مؤقتاً ربما.

كذلك فقد إستهل نافع علي نافع تدشين الحملة العسكرية على عناصر التمرد في دارفور وجنوب كردفان ببذله وعوداً ملزمة بالقضاء على هذه الحركات نهائياً .. ولكن يبدو أن حسابات البـِلدات لم تكن مطابقة لحسابات المطامير . وهو ما تدل عليه الضبابية التي تصاحب النتائج المعلنة لعمليات القضاء على الحركات المسلحة المتمردة في دارفور وجنوب كردفان .. وحقيقة ما يجري هناك . ومن ثم فإن المرجح أن فداحة الخسائر في الأرواح والمعدات وكثرة الجرحى التي ترد عنها الأخبار تباعاً قد أغضبت عمر البشير الذي آثر إبعاده عن الصورة بوصفه كبش الفداء .    

وبعد كل هذا وذاك ؛ فإنه مهما قيل عن ترنح النظام الحاكم وسقوطه الوشيك . فإن هذا الأمر يظل مجرد إفراط في الأمل . لكنه لا يبدو ماثلاً للعيان في الوقت الحاضر .....

إن المسألة لا تكمن في قوة كوادر ومتانة هياكل حزب المؤتمر الوطني ؛ بقدر ما تكمن في وهن وضعف وهشاشة المعارضة السياسية التي بالإضافة إلى إفلاسها المالي وضعف هياكلها التنظيمية وميوعة قياداتها ؛ نراها منقسمة على بعضها ومنكفئة على ذاتها مرّة وعلى بعضها مرّات ..... لا تفتأ تتبادل الإتهامات بالتراخي والإرتزاق والعمالة والرقص والتطبيل وهـز الأرداف في مؤخرة موكب الحـزب الحاكم .

وبإختصار فإن المعارضة الحزبية السياسية ليسوا أكثر من نِعاجٍ حائلة ترعى في عشب الشعب عصراً ، وتركبها كباش المؤتمر الوطني داخل زريبة الحزب ليلاً .... وعلى الرغم من الحكمة القائلة : "خير للمرء أن يكون أسداً في قطيع من الأسود من أن يكون أسداً على رأس قطيع من النعاج" .... فيبدو أن حزب المؤتمر الوطني يرى أن لعبة الحكم وواقعها في البلاد تقتضي أن من الأفضل أن يكون أسداً على رأس قطيع من النعاج.
 
 
ومن جهتها فإن الحركات المتمردة المسلحة في دارفور خاصة لا تمارس حراكاً سياسياً عسكرياً مثمراً بالمعنى المفهوم ؛ بقدر ما تدل هجماتها العسكرية المحدودة الأثر ؛ على أنها مجموعات متفلتة وعصابات لصوص وقطاع طرق ؛ يهاجمون التجمعات السكانية المسالمة والمدن والبلدات والقرى لأجل النهب والسلب والأكل والشـرب والإغتصاب الجنسي لا غير ؛ ثم يهربون إلى جوف الصحراء ويختبئون وراء القيزان حتى إشعار آخـر .... وكذلك الحال بالنسبة للحركة الشعبية قطاع الشمال ؛ فجميعهم وحركات دارفور المسلحة لا يبدو أنهم مؤهلون لخوض معارك عسكرية حقيقية بعيداً عن مناطق تجمعاتهم القبلية ومجالاتهم الحيوية الجغرافية . ناهيك عن التقدم لإحتلال مدن وإدارتها أو الزحف نحو العاصمة المثلثة.

هذه هي الحقائق مجردة بعيداً عن أية أجندة ... وسيظل الواقع ماثلاً بالقول : " لــن نصنع من البحـر طحـينة" ....... و"لــن نحني من الشوك العنـب".

الخميس، 5 ديسمبر 2013

صور نادرة لنيلسون مانديلا

صور نادرة لنيلسون مانديلا

أعلن في جنوب أفريقيا عن وفاة الرئيس الأسبق نيلسون مانديلا عن 95 سنة مساء الخميس 5 ديسمبر . وهذه بعض الصور النادرة له خلال حياته.


مانديـلا  الشاب .. كان يحلم بأن يكون ملاكماً عالمياً
 




 
 


أواخر أيام مانديـــلا قبل عدة أسابيع في المستشفى خلال فترة نقاهة


 
نيلسون مانديلا في المستشفى خلال فترة نقاهة من مرضه الأخير 


في زيوريخ بعد إعلان فوز جنوب أفريقيا بإستضافة منافسات كاس العالم عام 2010م



داخل غرفته في المستشفى أواخر حياته الطويلة


مع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون
 


مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير


مع زوجته الثانية مـاشيــل 


مع الدالاي لاما في مدينة الكيب


 
 مع الملكة اليزابيث الثانية
 
 



محمد سلاّم ؛ أطربنا وأشجانا ولكن ظلمناه



محمد سلاّم ؛ أطربنا وأشجانا ولكن ظلمناه

 
مصعب المشرف:

مقــدمــة:

دائماً ما يتساءل الناس لماذا الإهتمام الإستثنائي بالمبدع بعد وفاته  فقط ؟ .. والذي يمكن قوله هنا أن الإنسان لا يكتب تاريخه بنفسه أو أثناء حياته .... الإنسان يصنع تاريخه بنفسه من مولده حتى مماته . ويتداول أو يكتب الآخرون هذا التاريخ بعد مماته بحسب الوقائع والظروف التي أحاطت بمراحل حياته..

أما الكتابة عن إنسان ما خلال حياته فإنها تظل دائما مجرد "سيرة ذاتية" قاصرة وشهادة مذبوحة من الوريد إلى الوريد عديمة المصداقية بسبب تأثير تواجده ، وأن الجمل لا يعرف عوجة رقبته .....  إضافة إلى كون أن عطاءه سلباً أو إيجاباً لا يزال مستمراً ؛  وقابل للتجديد والتعديل والإصلاح والتخريب طالما لم يلفظ أنفاسه الأخيرة . أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع ثم يدركه ما سبق له في الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه ما سبق له في الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".

المرحوم محمد ســـــلاّم:


الفنان المبدع محمد سـلاّم


الفنان المبدع الراحل محمد سلام رحمه الله يبدو كل ما يحيط به متفرداً نسيج وحده دون غيره من مطربين عاصرهم ، سبقوه ، سبقهم .....

وقبل كل هذا وذاك كان التفرد في دخوله عالم الفن وإغترابه وعودته التي قوبلت ببرود وإجحاف غير مبرر من جانب الأجهزة الإعلامية من تلفزيون وإذاعة ... كانت هذه هي الأخرى أكثر غرابة من غيرها عند المقارنة مع فرص أخرى منحت لمطربين غيره إغتربوا وعادوا . بعضهم إستطاع اللحاق بقطار الفن المتجدد وآخرون فاتهم هذا القطار لعدة أسباب . ومنهم على سبيل المثال عبد الكريم الكابلي ، وردي ، البلابل ، عبد الرحمن عبد الله ، عبد العزيز المبارك ، مجذوب أونسة ، مصطفى سيد أحمد ، الموصلي ، عبد الله البعيو ، سيف الجامعة ..... والقائمة تطول ما بين مبدع شهير ؛ وهامشي خامل الذكر.

وإذا كنا نوجه اللوم والتأنيب لأجهزة الإعلام التلفزيوني والإذاعي بسبب تجاهلها وإعراضها عن محمد سلام بعد عودته من ليبيا ؛ فإن اللوم والتقريع يقع اثقله على الأجهزة الإعلامية في ولاية الجزيرة ؛ حيث نشأ محمد سلام وترعرع وأعطى من شبابه الكثير لمدينة مدني خاصة والجزيرة عامة..

ظهور وإختفاء محمد سلاّم:

المطرب والملحن محمد سـلاّم .. البدايات الأولى


ظهر محمد سلام في سن مبكرة أوائل سبعينات القرن الماضي من خلال شاشة تلفزيون الجزيرة الذي يغطي منطقة الجزيرة المروية وأجزاء من البطانة ويبث إرساله من مدني ما بين السادسة مساء وحتى التاسعة تقريبا ؛ قبل أن يقترن بتلفزيون أمدرمان لبث نشرة الأخبار الرئيسية وبرامج السهرة وحتى نهاية الإرسال  .. وكذلك صاحبت تلك الفترة نشأة "إذاعة محطة إرسال ريبا" التجريبية الحديثة الأجهزة . فأظهرت الكثير من مواهب محمد سلام الصوتية واللحنية ..



تمتع محمد سلام بموهبتي التلحين والغناء في آن واحد .. وكانت ألحانه التي قدمها نابعة من بيئة الجزيرة واصفة لإنسانها في المدينة وأطرافها وعشوائياتها .. وللقرية والريف والخلاء الطيني الممتد .. ولم تغفل موسيقاه حتى عن مخاطبة سحب الصيف والخريف . وإستخلاص رائحة جروف النيل الأزرق المشبعة بطمي الهضبة الإثيوبية المتجددة المترسبة على إمتداد مجراه العميق .. وكذلك جاءت كلمات أغنياته التي حرص على إختيارها بدقة لتتماشى مع هذه الألحان المعبرة عن صميم بيئة إنسان وأرض وسماوات الجزيرة التي دائما ما تراوحت بين الجميلة من جهة والحنينة من جهة أخرى . وحيث لا يعرف الجدب والجوع والعطش والإقتتال لأجل الماء والثمرات والمرعى الطريق إليها..... وهذه الوفرة جعلت من إنسان وحيوان هذه الرقعة الجغرافية ميالاً دون غيره إلى الإستقرار والموادعة والطيبة ؛ والإنفتاح والتوازن النفسي الذي قلّ أن تجد له نظيراً مطابقا له في غيره من أقاليم وجهات البلاد.  
 
وللأسف الشديد فإن البعض من الجيل الحديث داخل السودان ناهيك عن خارجه لا يعلم كثيراً عن محمد سلام ؛ ومنهم من لم بسمع به أصلاً . والسبب في ذلك يُعزى إلى سفر محمد سلام إلى ليبيا وإغترابه الطوعي بها لأكثر من عشرين سنة . فكان حتماً أن يؤدي ذلك إلى إنقطاعه عن تقلبات المجتمع وهمومه وقضاياه اليومية ؛ ومستجدات الحراك الفني الذي شهد دخول أجيال جديدة في مجال الأجهزة والإدارات الإعلامية . وكذلك تغيرت يعض المفردات في كلمات الأغنية الحديثة ، والموسيقى وطرق الأداء على يد مصطفى سيد أحمد من جهة ؛ ومحمود عبد العزيز من جهة أخرى . واستجدت مفاهيم وقناعات الشباب المُلاحق للأغنيات في زمن عصفت بالنسيج الإجتماعي  الضوائق الإقتصادية والحروب الأهلية والتشرد ....

ولكن وفيما يتعلق بتأثير المستجدات هذه على إبداع محمد سلام الجديد عقب عودته من إغترابه .. فإن الواقع يشير إلى أن محمد سلام لم يمنحه أحد الفرصة كي يقول كلمته ويفصح عن رؤيته كمبدع ؛ بسبب أن الأجهزة الإعلامية تجاهلت محاولات محمد سلام عرض جديد إنتاجه من خلالها وبأسلوبه وقناعته هو .. ولأجل ذلك فإن الخوف كل الخوف أن يترك هذا الجديد الذي جاء به محمد سلام لعبث التنابلة ولصوص الأغاني المرددين الببغاوات ، الذين لا يحسنون نطق اللغة العربية بطريقة صحيحة ، ولا يضبطون مخارج الحروف ، ولا يفهمون الفرق بين الفاعل والمفعول به والتفخيم والتعجيم ؛ ومتى يكون ذلك ومتى يجب تحاشيه . ومنهم من لا يفهم معاني الكلمات التي يرددها ؛ إضافة إلى ظاهرة عدم إمتلاكهم الإحساس العاطفي الصادق البعيد عن الماديات والجنيهات ومختلف ما هو سائل وثابت ومنقول.

لقد كان من حق محمد سلام مثله مثل غيره من المخضرمين أصحاب المكتبات الغنائية السيادية أن يتم إستدعائه ومنحه الفرصة كاملة وعلى أوسع نطاق ليقول كلمته وشهادته على العصر بجديد ألحانه وكلمات أغنياته وأسلوبه الخاص في التعبير ونقل الإحساس إلى الغير .. وكذلك بإعادته صياغة وتوزيع ألحانه القديمة بعد توافر أكثر من عازف أكاديمي متخصص وآلات حديثة دخلت مجال الأغنية السودانية في خلال السنوات العشرين الممتدة ما بين خروج محمد سلام وعودته .

سيبقى تجاهل وإعراض الأجهزة الإعلامية لمحمد سلام علامة إستفهام ممتدة الأثر والنقاش ووصمة عار في جبين هذه الأجهزة من إذاعة وتلفزيون ... هذه الأجهزة التي يبدو أنها إنصرفت إلى التعامل مع المبدع وفق لوائح وقوانين الإحالة إلى المعاش و (الصالح العام)  التي يجري تطبيقها في حق الأفندية  والعمال...

ولعل البعض قد كان على حق حين شرعوا يتساءلون ساخرين عن السبب الخفي وراء هذا الإعراض والتجاهل في حق محمد سلام حتى على مستوى الإعلام الحكومي . وما إذا كان السبب هو مطالبة وزارة المالية وجهاز المغتربين لمحمد سلام بتسديد متأخرات ضرائب وزكاة ورسوم وتبرعات ومساهمات بأثر رجعي قبل السماح له بممارسة أي نشاط وتجديد بطاقات أم ماذا؟

ليت محمد سلام كان عرّافاً وضارب رمل ويتقن أسرار البروج  ... ربما لكان قد وجد لإبداعاته المتفردة طريقاً آخر .... وكأني في هذه الظروف التي عاشها محمد سلام من ظلم بلاده له .. كأنّي  به قد تذكّـر كلمات أغنيته "عـــرّاف" التي تقول :

مالك يا زمن بقيت بتخاف

أريت الغيب عندك ينشاف

كنا أقـلّـه عملنا حساب

عشان ما نضيع زي الآلاف

ــــــــــــــــ

غدار يا زمن وطبعك جاف

كتير قاسينا معاك أصناف

غلاوتك لينا بقت أطياف

تدور وتداري بينا ضفاف

ـــــــــــــــــ

جنينا الصـد لقينا جفاف

عبرنا دروب زمن بنخاف

يغالب فينا قليب شفاف

يضيع عثرة ضياع وتلاف

ــــــــــــــــــــ

أريت يا زمن أكون عـرّاف

أشوف يوم بكرة الما بنشاف

مـرّة تهدي مرّة تودي

مراكب ريدنا بدون مجداف
 

مكتبة محمد سلام الغنائية:

وفي هذا السياق فإن البعض من العامة يظن أن محمد سلام لا يمتلك سوى أغنية واحدة هي "إتعزّز الليمون" .. وهذه كارثة أصابت إنتاج وسيرة هذا المطرب الشامل في مقتل . وجعلت البعض يزهد في متابعته أو قراءة أخباره واللقاءات الصحفية رغم كثرتها التي أجريت معه خاصة عقب عودته النهائية مؤخراً ، والتي لم يجد فيها إستقبالا أو إحتفالا ينتظره في مطار الخرطوم .. بل لم يجد سوى التجاهل ثم الإعراض من جانب أجهزة البث الإذاعي والتلفزيوني  الحكومي والخاص وكأنّه جاء يحمل القذافي وإرث القذافي في خاصرته .. والأمر بالفعل يظل غير مفهوماً . وتعشعش حوله أكثر من علامة تعجب وإستفهام ...

وعلى الرغم من إهتمام الصحافة الورقية بمحمد سلام وعودته وجديد إنتاجه ؛ إلا أن صفحاتها المشبعة بالأحبار السوداء الصامتة الحروف لا تشكل النافذة الطبيعية الأكثر إنفتاحاً وإطلالة ًعلى الجمهور بالنسبة للمطرب . فالحوش الطبيعي الذي يجد فيه المطرب طريقه إلى آذان وقلوب الجماهير إنما يتمثل في الإذاعة والتلفزيون والحفلات العامة والخاصة . والتي بدورها تعتبر الأقل كلفة بالنسبة للجمهور المهتم بسماع الأغنية . لاسيما وأن نافذة "اليوتيوب" تظل مكلفة بالنسبة للشباب من غير أبناء الأثرياء وذوي المداخيل المرتفعة في بلد فقير يعاني شعبه ضائقة إقتصادية خانقة تتجاذب عقله ومزاجه من جهة و خواء معدته وحاجاته الضرورية من جهة أخرى..... وكذلك يسري الحال على أسعار الأسطوانات وأجهزة تشغيلها والطاقة الكهربائية .... وحتى إشعار آخر.

أغلب الظن أن مسألة تقديم مطرب مّا من خلال برنامج منوعات مّـا ؛ أو إستضافته لتقديم أغنياته قد أصبحت في هذا العصر "تجارة" . ودخلت بين ضلوعها وحناياها العمولات والبخاشيش والهدايا ، وكل الطرق والوجوه التجميلية لقباحة وتشوهات البيزنيس الغنائي الذي يسيطر عليه منتجو الأسطوانات الذين يهمهم الترويج للمطربين المتعاقدين معهم فقط . فيستغلون نفوذهم لدى الأجهزة الإعلامية من راديو وتلفزيون للتركيز على البعض وتجاهل الآخـــر وبشتى المزاعم والتبريرات التي تدور دائما حول الفرق بين أجر الفنان الأصلي و أجر اللص المردّد السارق لأغاني هذا الفنان .... إنها مفارنة  رخيصة تبدو شبيهة بالفرق بين سعر السلعة الأصلية وسعر السلعة المهـرّبة .

ونضيف إلى ما سبق حقيقة أن شخصية محمد سلام الزاهدة البسيطة ؛ وإفتقاره إلى قدرات ومواهب البلبصة والمحلسة والدهنسة ، والتحنيس والإلحاح ؛ وشيل القرعة ومـد اليد والنحيب ، والضغط النفسي على المسئولين ومدراء مكاتبهم والسكرتيرين والغفراء في المجيء والذهاب ؛ .. نضيف أنها قد  ساهمت بقدر كبير في تجاهل الأجهزة الأعلامية له وإعراضها عنه ؛ كونه يعتز بكرامته ويثق في قدراته ، وغير لحوح وغير لايـوق ، وليس لزقة  ، وليس بقري ، وحاشا لله أن يكون قُرادة ...... وغير ذلك من مواصفات مطرب العصر الحاضر الذي كتب عليه أن يكابد ويمسح الأجواخ ، ويبوس الأيادي ، ويغسل المعالق والأطباق والأكواب؛ ويلمّع الأقدام والسوق والأعناق لحساً باللسان كي يفسح لنفسه موطيء قدم وسبوبة يأكل منها ويشرب ويلبس ويركب ... ويبني لنفسه مأوى .

نجاة مكتبته الغنائية من السرقات:

أغلب الظن أن (صعوبة أداء) أغنيات محمد سلام  الخاصة التي كان يتغنى بها قبل سفره إلى ليبيا  لم تكن وحدها السبب في نجاة هذا التراث الغنائي من سطو ونهب وعبث وتخريب تنابلة و"لصوص الأغاني" ، الذين إمتهنوا سرقة جهود وعرق وعطاء الغير لأجل التكسب وجني الأموال بطريقة سهلة ؛ وعلى نحو أصبح فيه هذا المنحى ظاهرة غير مسبوقة على نطاق العالم . وتوجه غير حضاري مثير للقرف في ظل غياب المؤسساتية ، وتراخي الرغبة في تفعيل القوانين واللوائح الرادعة التي تحمي حقوق الملكية الفكرية المتعارف على نصوصها وموادها وبنودها الواضحة المتشابهة في كل الدول التي تحترم تاريخها وحاضرها وعطاء أبناءها.

وفي هذا الإطار فإنه بإمكاننا أن نطلق على الراحل الفنان محمد سلام لقب "توت عنخ أمون الأغنية السودانية" ..... فقد غفل "لصوص الأغاني" عن نبش مكتبته الغنائية وسرقة محتوياتها وتشويهها عبر ترديدها للتكسب من ورائها ؛ سواء أكان في حفلات الأعراس والطهور والإستقبال ؛ أو برامج المنوعات النمطية المستهلكة التي تذيعها وتبثها القنوات الحكومية والخاصة بذات الفكرة والتكنيك و الأسلوب منذ عام 1964م ؛ ثم وبرامج غنائية  أخرى من قبيل برنامج "لصوص وأغاني" الذي تقدمه النيل الأزرق في رمضان .. وبرنامج مسابقات غنائي "عائلي" آخر يستحق أن نطلق عليه  "لصوص الغـد".

ويجدر الذكر هنا أن مقبرة الفرعون المصري "توت عنخ آمون" قد تفردت دوناً عن غيرها بأنها الوحيدة التي نجت من عبث "لصوص الآثار" . واحتفظت بكامل هيئتها وكنوزها المادية والمعرفية ؛ إلى أن تم إكتشافها وتوثيق محتوياتها بدقة في عام 1922م على يد عالم الآثار البريطاني هيوارد كارتر.

إذن نجت مكتبة محمد سلام من عبث "لصوص الأغاني" طوال الفترة الماضية التي سبقت إنتقاله إلى رحمة الله .. وهذا أمرُ مفرح بالطبع .. ولكن المتوقع حدوث "هجمة" غير مسبوقة على أغنيات محمد سلام منذ اليوم فصاعداً. وسيتسلل إلى أشرطتها وأوراقها "لصوص الأغاني" لترديدها والأكل والشرب واللبس والركوب وبناء المنازل من ورائها.

ولكن برغم كل هذه التوقعات لما قد يصيب مكتبة محمد سلام من عبث ونهب وسرقة وتدمير ؛ وغير ذلك من محاذير ماثلة . فإن السؤال الذي يعيد طرح نفسه هنا هو : لماذا ظلت مكتبة أغنيات محمد سلام بعيدة عن السرقات حتى تاريخه؟ ..... وما هي الأسباب التي يمكن إضافتها إلى السبب الأول المتمثل في "صعوبة تقليده ومحاكاته" ؟

الإجابة على مثل هكذا تساؤل تثير عدة نقاط لعل أهمها الآتي:

1-  كان في سفر محمد سلام وإغترابه الطويل (قرابة 20 سنة) في ليبيا سبب من الأسباب التي أدت إلى نسيان الناس لأغانيه ، لاسيما وأن التواصل المعرفي والحضاري ما بين ليبيا والسودان لم يكن بتلك القوة في ذلك الزمان مقارنة بما عليه الحال من التواصل السوداني مع مصر من جهة ومع الحجاز السعودي من جهة أخرى ... ثم أن ليبيا تظل دولة خاملة الثقافة ؛ وليست مصدراً من مصادر الإشعاع الحضاري القومي أو العالمي أو حتى الحضور الديني العقائدي.

إغتراب المطرب والشاعر وإبتعاده زمانيا ومكانيا عن موطنه الأصلي يظل دائماً ماحق الأثر لجهة المواكبة والتجديد.
 
وأذكر أن الموسيقار محمد وردي كان قد قال في أحد لقاءاته ؛ أنه فوجيء بعد عودته الأخيرة للوطن ؛ أن البعض يظن أن أغنياته القديمة التي أعاد توزيع موسيقاها .. يظن البعض هؤلاء أنها أغنيات جديدة تغنى لأول مرة .. وعزا ذلك إلى جانب من سلبيات إبتعاده القسري عن البلاد.....

 ومصداقا ً لحديث وردي هذا أتذكر أن فتاة من جيل الديجتال ؛  كتبت في أحد المنتديات بضعة أسطر تشيد بالمطرب المردّد جمال فرفور بعد أن إستمعت له في أدائه لأغنية "الكروان" للفنان عبد الدافع عثمان . وقد ظنت الصغيرة أن هذه الأغنية من أملاك جمال فرفور وجديده ؛ فراحت تكيل الإعجاب والإطراء وتسهب في مدح "فرفور" وتشيد بـ  "عبقريته" و "ثقافته" التي تمثلت في إنتقائه لكلمات الأغنية واللحن الذي إختاره لها . وطريقة الأداء لهذه الأغنية التي توقعت لها أن تكون واحدة من أغنيات فرفور "الخالدة" ؛ وتسجل نجاحاً منقطع النظير .... ويبدو أن المسكينة لم تستفيق من غفلتها وأوهامها تلك إلا بعد أن رد عليها أحد أعضاء المنتدى يصحح لها معلوماتها بأن صاحب هذ الأغنية إنما هو الفنان الراحل عبد الدافع عثمان . وأنها أغنية حتما تكون حبوبتها قد سمعتها عندما كانت فتاة .. وأن فرفور لم يكن سوى مردّد لها على طريقة أنسخ وألصق.

2-  أن محمد سلام كان صاحب نبرات صوتية قصيرة التردد نادرة تجعل من محاولات تقليده سبباً في تزايد ضربات القلب ، والإصابة لاحقاً بإلتهاب الحنجرة لغير ذوي القدرات الصوتية المطابقة له والتي هي في الأصل نادرة. لاسيما وأن محمد سلام قد أضاف إلى قدراته الصوتية تلك ميزة تمديد الحروف في كثير من قفلات الكوبليهات على ذات النسق الذي ينطق به أهل الجزيرة لهجتهم العربية المميزة .....  وقد سرى هذا المد في كافة الحركات الهجائية سواء المحلاة بالفتح أو الضم أو الكسر..... ثم إنه وحين تتغلب عليه الكلمة ؛ فإنه يلجأ بذكاء إلى "الإدغام" سواء أكان ذلك بغُـنّة أو بغير غُـنّـة .. وهذه ميزة يندر أن تجدها في مطرب عادي أو حتى سوبر .. ومثلها لم تتوفر بوضوح سوى لدى الموسيقار الشمس محمد وردي .... وربما لأجل ذلك وجد محمد وردي نفسه مُجبراً على تحدي الذات (المجبول عليه) وترديد أغنية محمد سلام الشهيرة "إتعزز الليمون" دون أن يأبه للفرق الشاسع بينهما في السن والمرحلة والقامة الغنائية والموسيقىية .... ومن أمثلة الأداء المتفرد لمحمد سلام تبرز هنا أسلوب أدائه لأغنية "آخر وداع" والتي تقول كلماتها:

طوّل غيابك والصبر

يا غالي عاد وحياتي ضاع

إنشاء الله ما آخر لقاء

إنشاء الله ما آخر وداع

ــــــــــــــــــــــ

غاب الشفق من الآكام

والقمري طار سابنا ومشى

حتى الغمام لملـم دموعـــو

وجاكي حزنان يا رشـــا

والله بعدك مافي زولاً

غنى لا قلب إنتشى

كيفن يغنوا بدون عينيك

يا غالي يا ضامــر الحشا

ــــــــــــــ

برجاك أنا ودايب معاك

يا رقة يا ذوق يا شباب

والله كل ما أشوف عينيك

برحل وأحلق في السحاب

ويقولوا لي أنا دوب كمان

عشان ليك ما رسل جواب

والله يا حاسدين حرام

بيناتنا ما يكون عتاب

وشفتوا قلباً زي قليبي

بــريد جمالاً زيــو داب

ـــــــــــــــ

برجاك أنا ودايب حنان

حاضن هواك لامن تجي

بي سكة البيت الحنين

أنا كل يوم  بمشي وبجي

يا حلاتك أنت وكت أقول شعري

وتدوب وتقول داير أجي

برجاك أنا ويا سيدي عاد

ما الزيك إنت بيترجي

ـــــــــــــــــــ

لا يظننّ أحد بأنني أبالغ في تقدير موهبة محمد سلام .. ولكن الذي يستمع إلى هذه الأغنية أداءاً ولحناً بصوت هذا المطرب يدرك تماماً أن محمد سلام لا يمتلك فقط بصمة خاصة به .. بل هو في حقيقة الأمر يمتلك "شـيفــرة" صوتية مستحيلة التفكيك ... ولك عند إستماعك لهذه الأغنية أن ترهف السمع إلى ترديده لكلمات مثل "ضاع" ، "وداع" ، "مشـى" ، "رشـا" ، "إنتشى" ، "حشا" على سبيل المثال وكيفية المَـدّ المتفرد عن قصد وسابق إصرار ... وفي كل ذلك تكتشف واقع هذه الشيفرة السرية التي خص بها محمد سلام أسلوبه المتفرد في الأداء الغنائي المستولد من اللهجة العريضة لبدو وأعراب الجزيرة ؛ وبطانة أولاد أبوسن.

وعلى هذه الحرفية التي إرتضاها محمد سلام لأدائه يمكن ملاحظة وإستنباط ذات النسق المشار إليه أعلاه في أغنيات أخرى مثل "داير أقول ليك" و " إتعزز الليمون".

الإنتماء المكاني لمحمد سلام:



لست متأكدا عما إذا كان محمد سلام ينتمي أباً عن جد لمدينة مدني . أم  إذا كانت أسرته قد نزحت إليها في صغره من القرى والحلاّل المجاورة ..... وبحسب شهادات نسابته وأخوال أبنائه في قرية أم دوم القريبة من الخرطوم والتي تزوج منها وأقام بها ردحاً ثم ووري جثمانه الثرى في مقابرها . فإن محمد سلام قد ولد ونشأ في حي المدنيين بمدينة مدني . كما شهد له بعض زملاء الدارسة أنه تلقى تعليمه في المدرسة الأهلية الثانوية بمدينة مدني .... ثم أن الجميع يعرف أنه رحمه الله قد بدأ حياته الفنية إنطلاقا من مدني ومن خلال تلفزيونها المحلي منتصف السبعينات .... ومن ثم فإن الذي يجعل المرء في حيرة من أمره هي تلك النبرة المغرقة في محلية البيئة القروية المحيطة بمدني ومدن الجزيرة والبطانة الأخرى ؟  
 
من أين جاء محمد سلام بهذه النبرات "المغرقة في المحلية" ؟ ولماذا ظل منذ بدايته وحتى النهاية على إصرار وتمسك بها وقناعة لاتدانيها سوى قناعات العجائز في وفائهم للهجتهم المحلية الأم؟

الطريف أن أقران له أخرون منهم عبد العزيز المبارك و صديق سرحان والجابري، لم يكن واحد من هؤلاء من أبناء مدني المدينة ، وإنما نازحين إليها من ضواحي وقرى وجهات الجزيرة المختلفة . ولكنهم تخلوا بقدر أو بآخر عن لكناتهم المحلية الخاصة بهم . وانتحلوا لغة ونبرات مدني المدينة في إختيارهم لكلمات أغانيهم وأسلوب ترديدهم لها.

3-  إذن ووفقا للمعطيات أعلاه أعتقد أن تمسك محمد سلام في أدائه الصوتي بالكثير من النبرات "العميقة" التي يتفرد بها "أعراب" الجزيرة سواء في النطق أو ضبط مخارج الحروف والمد والقفلات .... وكذلك المفردة اللغوية المستخدمة ..... وفقا لذلك فإن "لصوص الأغاني" قد وجدوا صعوبة وعقبة كأداء في مجاراة هذه المحلية التي محمد سلام متمسكاً بها.

خذ مثلا أغنيته (داير أقول ليك) تجد فيها كثيرا من كلمات ملتصقة بالحديث اليومي لتجمعات أهل الجزيرة البدو.

داير اقول ليك إلاّ خايف

أصلي في عينيكي شايف

رؤية أمالي البعيدة

ضي بلد زي بكره عيدا

ضحكة من أمي البريدا

إلا خايف يابا قلبك لي يوالف

ــــــــــــــ

ما الزمن مرات بفرح

والقلوب أهي غايتو عايشة

والدموع مرات تزاور

ومرة تصبح مني ماشة

والعصافير لى عشيشه

مرة مرة بتبقى هاشة

راجية في موسم غناها

الغيوم الجايا راشه

إلا بس بتخاف ليالي

تصبح الربح فيها غاشة

وتبقي زي قلبي اللي خايف

ـــــــــــــــــ

دي العيون قبال تهلي

بي وراك ما خلوا سكة

فتشوا في كل المواني

سألوا عنك كل ملكة

وراحوا يغزلوا في الأغاني

للحليوة الريدا بكّ

دا القليب الراد عيونك

مرة صدق ومرة شكّ

دارك إنتي تكوني ليهو

وتملا دنياهو العواطف

ــــــــــــــــــ

ده الزمن لو جابك إنتي

في دروبي وليّ فــرّح

برضى ظلمه الكان زمان

وما بقول في مرة جرّح

دي السنين الضاعوا مني

قبل ريدك لي يصبح

أنا أصلي ما بندم عليها

ما اللي روّح ياهو روّح

وإلاّ أهلا بي مجيكي

ياقليب بالفرحة أسرح

ولي عيون الحلوة والف

ـــــــــــــــــــــ

قام إتعزز الليمون:

وهذه الأغنية الأشهر في مكتبة أغاني محمد سلام ، بدت وكأنها حلت عليه كاللعنة وتسببت في نسيان الناس لكل أغانيه وإكتفائهم بترديدها هي وحدها .... فهي تبدو في سيطرتها عليه وعلى تاريخه الفني كسيطرة المعلقات على أصحابها وعلى رأسهم الملك الضليل أمرؤالقيس الذي ما أن ينطق الناس إسمه حتى تقفز إلى الخاطر معلقته التي يقول مطلعها: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ).
حمد الـرَيـّـح
 
ولماذا نذهب بعيداً وننسى أن الفنان الأستاذ "حمد الريح" قد تعرض لنفس "الإحتباس الغنائي" بعد أغنيته "إلى مسافرة" . وقد حذره محمد وردي وقتها من أن هذه الأغنية ستكون وبالاً عليه . وهو ما حدث بالفعل . فقد إعتبرها وردي آنذاك بمثابة "إنقلاب عسكري" على الأغنية السودانية السائدة .. وضحك حمد الريح وقتها ، وأخد المسألة هزار وقفشة من قفشات وردي  المبالغة في الصراحة ..... ولكنه أدرك بعد سنوات أنه لم يعد يعرف إلا بهذه الأغنية . ولا يطلب الناس منه سوى هذه الأغنية . ولا يذكره ويتذاكره الجمهور إلا بها ... ولولا أنه صبر على "قضبانها" طوال عقد من الزمان لما إستطاع أن ينهض ويخرج من سجنها ويعود مرة أخرى لمساره الطبيعي بأغنيات جديدة أخرجته من "معتقل" إلى مسافرة .

كذلك كان حال محمد الأمين مع الملحمة ... والجابري مع سيد الإسم ... وقتلت "أرض المحنة" محمد مسكين ؛ وفعلت الشيء نفسه أغنية  "حنتوب الجميلة" بالخير عثمان .... وحتى الشعراء والكتاب لم يسلموا من هكذا حالات كان ابرزهم الروائي الطيب صالح مع روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" التي طغت على غيرها من رواياته الأخرى.

مثل هذه الأعمال التي "تسجن" أصحابها و "تحجر" عليهم فترات طويلة تظل من قبيل الإستثناءات وذوات الأضلاع الأربعة ... فهي إلى جانب إكتمال عناصر النجاح النمطية المتمثلة في (مثلث) الكلمة واللحن والأداء الناقل للإحساس (قديما كانوا يقولون الصوت) ... نراها وقد إضيف إليها عنصر "الزمن المناسب" ...... وهذا عين ما صادفته أغنية "إتعزز الليمون" التي حفظ لها التاريخ أنها ظلت الوحيدة التي ردّدها جعفر نميري على الملأ مع قطاع واسع من أهل مدينته الأم (مدني) ؛ وهو آنذاك رجل السودان القوي الذي يتقلد منصب رئيس الجمهورية بعد تصفيته الدموية للحزب الشيوعي السوداني ؛ الذي كان يعتبر أخطر وأقوى الأحزاب الشيوعية أثراً وتنظيماً في العالم الثالث قاطبة.


لقد كتب القدر لأغنية "إتعزز الليمون" أن تطير من الحصاحيصا لتجوب كافة أنحاء السودان "القديم" . وتدخل كل بيت فيه ويتغنى بها كل مراهق وشاب وكهل وشائب ؛ وحتما يرددها في سره كل عجوز أو حينما يختلي بنفسه ويتوارى عن الأنظار في فلوات وخلاء البلدات والحواشات والجروف والمراعي والأسواق الدائمة والأسبوعية والموسمية...... وكان لمقولة "إتعزز الليمون عشان بالغنا في ريدو" من الصدى الشعبي أن  جرت مثلاً على لسان القاصي والداني منذ ترديد محمد سلام لها وحتى تاريخه . وحتما حجزت لنفسها مكانا سامقاً وسط أمثال السودان الشعبية الأشهر الأخرى على مقياس فرح ود تكتوك .... ويسارع  المواطن إلى ترديدها والتمثل بها في شهور رمضان التي يزداد فيها الطلب على الليمون وترتفع أسعاره .
 
 
وكان الأحلى وأعمق من هذا وذاك أن كلمات هذه الأغنية التي تردد فيها "لون" الليمون "الأخضر" ... كان فيها رفعاً نوعيا لنفسيات المرأة والفتاة السودانية وإعتزازاً بلونها "الأخضر" الذي طالما إحتقرته كلمات أغاني حقيبة وأخرى حديثة تغنت بألوان "زهرة روما" البيضاء ، و "عنب جناين النيل" المصريات ، و "لون المنقة" الحبشيات ، و"غزلان المسالمة" المولّدات ، وذوات  "اللون الخمري" و "الخد الزهري" ويقصد بالزهري هنا البمبي .... وهذه جميعها ألوان لا علاقة لها بألوان البشرة النسائية السودانية (الداكنة) السائدة ... فكأنّ أغنية الليمون المتعزز هذه قد أعادت لهذه المرأة ثقتها بنفسها وإعتزازها بلونها الأخضر الليمون ..... وأنه قد حق لهذه المرأة التي بلون الليمون أن تتعزز لأن رجلها قد بالغ في حبها... وبالجملة فإن التغني باللون الأخضر الليمون كان تعزيزاً لثقة الغالبية العظمى من الجنسين الذكر والأنثى أبناء السودان في أنفسهم.

وحين ندرك أن كلمات هذه الأغنية قد تم نشرها أولاً في جريدة الصحافة السودانية عام 1974م ومدى إرتباط تلك الفترة بشعارات نظام نميري المايوي الشمولي الحاكم المرفوعة وعلى رأسها :

-         المواطن السوداني أساس التنمية .

-         الإهتمام بتعليم المرأة.

-         تعزيز مشاركة المرأة الفاعلة.

-         تحقيق الوحدة الوطنية .

-         العداء للشيوعية بوصفها فكراً دخيلاً .

لو أدركنا كل هذا أوبعضه لكُنا  قد أدركنا السبب في إهتمام الإعلام المايوي آنذاك بتعلية شأن ومعاني هذه الأغنية التي صادفت زمناً مواتياً إستثنائياً ... والتي وللأسف الشديد لم يتعمق الكُتـّاب في الغوص داخلها وإستنباط أسباب فعلها فعل السحر في الوجدان السوداني المتحفز في تلك الفترة للنهوض قبل أن تفاجيء نظامه السياسي إرتدادات زلزال حرب أكتوبر 1973م ، التي تمثلت في إرتفاع أسعار البترول وغلاء المنتجات الصناعية وإنهيار أسعار المنتجات الزراعية . وحيث بدأت الأزمة تضرب في أطراف الإقتصاد السوداني منذ عام 1975م وكان لها ما لها من مغبات تدميرية إستمرت حتى تاريخه .. وحيث يجدر الذكر أن بدايات الهجرات والإغتراب كانت عام 1975م .

تقول كلمات هذه الأغنية وهي من كلمات الشاعر أزهري عبد الرحمن أبو شام وتدور قصتها ما بين مدني والحصاحيصا وقرية كترانج  (وقد تم إدراج هذا النص المغنى على لسان محمد سلام مباشرة)  وهو يختلف بعض الشيء عن النص المكتوب.. وربما يكون محمد سلام قد أدخل بعض التعديلات على النص الأصلي لضرورات اللحن والأداء.

بدور أشكيهو للقمرة

وبشوفك من أجاويدوا

يفرحنا ويزعلنا

ويخالف في مواعيدو

قام إتعزز الليمون

عشان بالغنا في ريدو

ـــــــــــــــــــــ

شفتو مخدر الليمون

وشابكات تب عناقيدو

حارق جوفنا دا الليمون

نجض قبال مواعيدوه

ــــــــــــــــــــــ

شفتو مفرهد الليمون

وشابكات  تب عناقيدو

هـدّ حشاي أنا الليمون

وهدهد  لى أغاريدو

ــــــــــــــــــ

قلنا نصيدوا دا الليمون

عشان ما نحنا بنريدوا

راح صايدنا دا الليمون

قبال نحنا ما نصيدوا

ـــــــــــــ

ليه صايدنا يا ليمون

قبال نحنا ما نصيدك

عشان السُمرة في خديك

قلبي الشلتو في إيدك

ــــــــــــ

عشان السمرة في خديك

دا قلبي الشلتو في إيدك

عشان ساهرت فيك الليل

وساهرين كل أجاويدك

ـــــــــــــــــــ

حنينة وحاتي يا القمره

تلاقي الزول تسالميهو

وبضي الحنان الفيك

تغطيهو وترشيهو

وبس تلقيهو ديمه براهو

كان نعسان تلوليهو

أكان زهجان تحجيهو

دا ليمون أرضنا الخضراء

دا ليمون مدني دي الخضراء

ـــــــــــــــــــــ

وعلى الرغم من كل المحبطات التي لازمت وتعرض لها الفنان الشامل الممغني الملحن محمد سلام . فلربما فرض عليه القدر أن يذهب للقاء ربه مظلوما ولسان حاله يردد : "يا بخت من مات مظلوم" .. فقد ظلمته الأجهزة الإعلامية من إذاعة وفضائيات تلفزيونية حكومية وخاصة بسبب الجهل والعمى الصباحي والعشا الليلي اللذان أصابا القائمين عليها ممن لا علاقة لهم بالإعلام . وإنما جاءت بهم مصالح السياسة والحكم ورمت  بهم فوق الكراسي رمياً ؛ وكل ما يمتلكون من مؤهلات ومواهب إنما تقتصر على ترديد كلمة "حاضر" و "نعم" ..  

ألا رحم الله الفقيد وتغمده بواسع رحمته ومغفرته وألهم آله وذويه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.