الخميس، 19 مايو 2016

شهادة الترابي على العصر (حلقة 4)

شهادة الترابي على العصر
حلقة (4)

إنقلاب هاشم العطا وإنتحار الحزب الشيوعي.
جوانب من خسارة البلاد لزخم الحزب الشيوعي


في الحلقة الرابعة من شهادته على العصر . لا نستطيع القول أن الترابي قد مارس أكاذيب صريحة على عهدنا به . بقدر ما نصل إلى قناعة بأنه بذل قصارى جهده لتسطيح وتبسيط أسباب إنقلاب هاشم العطا وأسباب الفشل . وأغفل الثمار التي جناها الإخوان المسلمين من فشل هذا الإنقلاب ؛ وأغفل أيضا الحنظل الذي تجرعه بعد ذلك في إنتفاضة شعبان.

حاول الترابي أن يعزي سبب إنقلاب 19 يوليو 1971م إلى أنه ردود أفعال مضادة من جانب بعض أعضاء قيادة إنقلاب 25 مايو 1969م تجاه إقصاء النميري لهم ؛ ولعدد ممن حامت الشبهات حول علاقته من قريب أو بعيد بالحزب الشيوعي.

ولكن الترابي لم يتطرق إلى الأسباب التي دعت نميري إلى القيام بهذه الخطوة المفاجئة . والتي يبدو أن أهم مسبباتها إنما كانت معارضة هاشم العطا لترشيح نميري نفسه لرئاسة الجمهورية .... وسعيه لتهميش دور مجلس قيادة (الثورة) بحله ..... وهي معارضة قد جاءت أغلب الظن تماشيا مع التوجه العام للحزب الشيوعي آنذاك ؛ الذي ظل يعارض بشدة مضي جعفر نميري إلى المدى الذي يؤدي إلى تمكينه وإنفراده بحكم البلاد.


الرائد هاشم العطا
كان هاشم العطا عضو عامل بالحزب الشيوعي السودني . وقد صرح بذلك جعفر نميري بلسانه مباشرة .. في حين إتهم كل من بابكر النور و فاروق حمدنا الله بأنهما كانا يسربان مداولات اجتماعات مجلس قيادة (الثورة) إلى الحزب الشيوعي.
واقعة التسريبات هذه ليست بالجديد ، ولا المستغربة في السياسة السودانية أو حتى الخدمة المدنية والنظامية . وعادة ما يجري ممارستها على واقع إزدواجية الإنتماءات العائلية والقبلية والطائفية والعقائدية... وكذلك إزدواجية المواطنة.
وأذكر أن بعض الناشطين القدماء في عملية السودنة ؛ قد أخبروني أنهم شكوا إلى الإمام الراحل الصديق عبد الرحمن المهدي من أن رئيس الوزراء عبد الله خليل لايزال يحتفظ في الرئاسة بموظفات في السكرتارية ؛ مشكوك في أمر ولائهن للعرقية السودانية الخالصة . وحين إستفسر منه الإمام الصديق عن الأمر ؛ أجابه عبد الله خليل بأن هؤلاء لا يفشين أسرار الدولة إلى الأحزاب الأخرى في المعارضة .  ثم وليتضح لاحقا أنهن كن يسربن كافة الأسرار إلى المخابرات المصرية والأخرى البريطانية.

على أية حال ؛ فقد كانت قناعات الشارع السوداني صبيحة 25 مايو 1969م تميل إلى الظن بأن إنقلاب جعفر نميري إنما كان بتدبير محكم من الشيوعيين .... فلماذا والحال كذلك لم تخرج جماهير الشعب للإعتراض على هذا الإنقلاب الذي بدى للوهلة الأولى أحمرا؟
 هناك سببان رئيسيان مهدا لنجاح إنقلاب مايو . وهما:
1) هزيمة يونيو 1967م  وتنامي شعبية الإتحاد السوفيتي في المنطقة لما قدمه من مساعدات لمصر ووقوف إلى جانب القضايا العربية في المحافل الدولية.

2) قلة خبرة الصادق المهدي في تلك الفترة وكذلك حسن الترابي اللذان مارسا ضغوطا هائلة على الأحزاب الوطنية الأخرى بقصد حل الحزب الشيوعي السوداني...... وهي سابقة "مكارثية" McCarthyism لم تحدث من قبل سوى في الولايات المتحدة بسبب عقيدتها الرأسمالية . ولكنها واجهت إنتقادات حادة في منظومة الديمقراطيات الأوروبية.
دخل الصادق المهدي الدهليز وخرج يرتدي جبة الإمامة المرقعة ويتوكأ على عصاها ..... وذهب الترابي إلى ممارسة أسلوب "محاكم التفتيش" ، وإعلان حزبه حامي حمى الإسلام ... وكان البسطاء من الناس آنذاك يصدقونه بسبب أنه لم يمارس الحكم بعد ؛ ويفصـح عن "ديـنـه" الحقيقي.

على أية حال إتهم الترابي أحد قادة الحزب الشيوعي بأنه أساء إلى الدين الإسلامي في تجمع عام . واعتبر ذلك كافيا لإتهام هذا الحزب بالإلحاد . وسارع إلى تدبير المظاهرات بالتواطؤ مع صهره الصادق المهدي .
أعقب ذلك إستصدار قرار حل الحزب الشيوعي وحظر أنشطته وطرد نوابه من البرلمان . وكان ذلك عام 1965م .. ولم يلتفت الصادق المهدي أو البرلمان بعدها إلى حكم المحكمة العليا بعدم دستورية هذا القرار.
    
وقد جاء قرار البرلمان السوداني حل الحزب الشيوعي وتصفية ممتلكاته صدمة للديمقراطية الليبرالية ... جاء بمثابة جرس إنذار إلى أن الديمقراطية نفسها قد بدأت تمارس لعبة دكتاتورية البرلمان ؛ والقفز على بنود الدستور أيا كان مؤقتا أو دائما .

كذلك فقد كان لمشاكسات الصادق المهدي وقتها ضد عمه الهادي المهدي ومحمد أحمد محجوب الدور الملحوظ في "قرف" الشعب والأغلبية الصامتة من هكذا ديمقراطية وأحزاب وأجنحة متشاكسة ؛ شغلت نفسها بمقاعد البرلمان وكراسي الحكم والوزارة دون أن تلتفت إلى هموم الشعب اليومية وارتفاع الأسعار ؛ وتزايد معدلات البطالة التي عولجت بأقراص مسكنة تحت ما يسمى ببند العطالة التي إبتكره الشريف حسين الهندي أشهر وزراء مالية السودان.

كان الإنطباع السائد صبيحة 25 مايو 1969م أن الشيوعيين قد جاءوا بعسكري جاهل وطالب ثانوي فاشل "رئيسا لمجلس قيادة الثورة" لهدف ذر الرماد في العيون ، وجعله واجهة ينفذ الشيوعي من ورائها أفكاره الإشتراكية . ويثأر من جريمة حله وإيقاف نشاطه ومصادرة متلكاته.
وبالفعل فقد شاع هذا الإنطباع بعد أن ضم نميري في تشكيله الوزاري الأول شخصيات مدنية معروفة بميولها الإشتراكية أو المعادية لللأحزاب والطائفية الوطنية . وكان من ضمنهم بعض الشخصيات ذوي الميول القومية العربية ... القومية العربية التي كانت متحالفة آنذاك مع الإتحد السوفيتي لأسباب أهمها هزيمة يونيو 1967م.

عليه فإن الذي يمكن إستنباطه من هذا الحراك السياسي الذي أفرزه حظر نشاط الحزب الشيوعي . أن الصادق المهدي  وحسن الترابي قد ساهما إلى حد بعيد في تمهيد الطريق أمام إنقلاب جعفر نميري المدعوم من جانب الحزب الشيوعي وحلفائه من القوى التقدمية ، ويسار القوميين العرب.


الرئيس جعفر النميري
والراجح ؛ أن قيادة الحزب الشيوعي لم تكن موفقة في الرضا بإختيارجعفر نميري ..
ولا أدري كيف غفل عبد الخالق محجوب رغم ذكائه عن الأخذ في الإعتبار التركيبة النفسية للمواطن السوداني ؛ ومغناطيس التلقي لديه لجهة القبول بالآخر؟
فهو (نميري) وإن كان يفتقر إلى الثقافة والفكر ، ووضوح الرؤيا السياسية .. إلا أنه كان يتميز بالتلقائية والشجاعة والفتوّة والفروسية . ويتحلى بالجرأة وسرعة الحركة ؛ وخفة الدم والتصالح مع الذات ؛ والإنسجام مع الجماهير ...

وفي دولة من دولة العالم المتخلف . ونسيج إجتماعي متداخل . نلاحظ دائما أن لسمات الشجاعة والفروسية والجرأة وسرعة الحركة والتلقائية والبساطة ؛ تظل هي التي ترجح كفة صاحبها في الوجدان ، وتمهد له المعابر  للحصول على إعجاب الناس ومحبتهم ؛ بغض النظر عن إقتناعهم بأفكار صاحبها ... أو كأنها تشكل في حد ذاتها "ثقافة" محلية موازية قائمة بذاتها مؤهلة للقيادة .... وهو ما يفسر حقيقة أن نميري قد وجد قبولاً ومناصرة منقطعة النظير في الأقاليم والأرياف ؛ على العكس مما كان عليه الحال في العاصمة وبعض المدن الكبرى. 

ومن الطريف في هذا السياق النفسي ؛ أن البعض كان معجبا بالنميري لأنه لا يشبك أزرار كم قميصه العسكري كما كان يفعل سابقيه من الجنرالات البيروقراطيين أمثال الخواض . وإنما "يكفكف كم القميص" إلى أعلى كوع يده مشمراً عن ساعده. 
ومنهم من أعجب به لأنه كان يقفز من أبواب القطار قبل توقفه .... والبعض تشبث به لأنه تسلق عربة القطار وهو يسير ؛ وطفق يلوح للجماهير بعصاه ويده ..... وعامة البسطاء من القبائل في الأرياف منحوه أصواتهم في الإنتخابات لا لشيء سوى أن ركب الخيل أمامهم وركض به وسابق ... وأظهر لهم من جوانب الفروسية ما يعشقون ويطربون لها. ويجعلونها مقياسا لقدرات ومواهب القيادة وحسن سير وسلوك الرجال......
بعضهم لم يتمالك الإعجاب برئيس شاب يرتدي الزي الرياضي ويمارس لعبة كرة القدم.
وهناك العديد من القصص والروايات التي خرجت تمدح شجاعة نميري في حرب الجنوب . وخصاله الشخصية الغير متصلة بالفكر والثقافة الأكاديمية التي كان يتمسك بها قطاع الصفوة شرطا للترقي في مجال العمل السياسي.

وأغلب الظن أن قيادة الحزب الشيوعي إنما وافقت على ترشيح جعفر النميري بِناءاً على توصيات من هاشم العطا وبابكر النور على إعتبار أنهما من كوادر الحزب من جهة . وأنهما زملاء بندقية لجعفر نميري.


المقدم بابكر النور
وأكثر ما يشير إلى أصابع الحزب الشيوعي في تشكيلة ما بسمى بمجلس قيادة الثورة الذي جاء به إنقلاب مايو 1969م .... أكثر ما يشير إلىها أن المقدم بابكر النور لم يكن مشاركا فعليا في الإنقلاب ولكن جيء بع عضواًُ .... وكذلك كان الرائد هاشم العطا يشغل آنذاك منصب الملحق العسكري في السفارة السودانية بالعاصمة الألمانية الغربية ( بـون ) قبل توحيد الألمانيتين... ولم يعد للسودان إلا بعد أيام من الإنقلاب.

وأما فيما يتعلق بأسباب فشل إنقلاب هاشم العطا الذي جرى في 19 يوليو 1971م . فإنه قد لا يختلف إثنان في أن هاشم العطا وعبد الخالق محجوب قد إرتكبا أخطاء جوهرية كان أبرزها:
1) عدم إستشارة عبد الخالق محجوب اللجنة المركزية للحزب . وتفضيله وضع الجميع أمام الأمر الواقع.
2) شاب الإستعجال التحرك . وقد أكد هذا الإستعجال عدم إنتظار عودة بابكر النور وفاروق حمدنا الله ؛ ومجموعة من العسكريين المقيمين في الخارج إلى السودان وبما يكفل لهم إجراء الإتصالات اللازمة مع زملائهم وأنصارهم داخل الجيش.
3) كان إذاعة البيان رقم 1 بلسان الرائد هاشم العطا قد أعطى الإنطباع بأن بابكر النور لن يكون سوى واجهة ... وأن هاشم العطا هو القائد الفعلي والرئيس القادم .
4) كان صوت هاشم العطا المرتجف خلال إلقائه للبيان رقم 1 ملحوظاً ، وترك تأثيراً سلبياً . واستعجل فيه هاشم العطا كشف النقاب عن لون الإنقلاب ؛ حين وصف الإتحاد السوفيتي بالعظيم .. وأن العلاقة به وبالكتلة الإشتراكية ستكون إستراتيجية.
ويبدو أن هذا البيان لم يتم تدبيجه على النحو المفترض من الحكمة والتروي .. وجاء يحمل بصمات عقلية عسكرية ثائرة حانقة أكثر منها سياسية حذرة.

على أية حال فقد كان أهم ما تمخض عن فشل إنقلاب 19 يوليو وإستعادة نميري السلطة في 22 يوليو .. نتج عنه الآتي لمصلحة نميري:
1)  تمكين نميري من القضاء على أبرز معارضيه ومن يقف في طريق صعوده إلى كرسي الحاكم الأوحد للبلاد.

2)  إظهار قدراته على الحسم . وأنه لا يخشى إراقة الدماء غزيرة في سبيل إبقاء نفسه على رأس النظام.

3)  مهد القضاء على إنقلاب هاشم العطا السبيل مفتوحا في وجه نميري نحو إنتخابه كأول رئيس للجمهورية ، له مطلق الصلاحيات.
........................
ولكن .. وفي الجانب السلبي الآخر فقد خسر السودان بعض زخمه الحضاري المتمثل في النشاط السياسي والثقافي والحركي الملتصق بالطلاب والطبقة العاملة ؛ ثم والجماهير عامة الذي كان يؤديه الحزب الشيوعي في الساحة السودانية ؛ سواء أكان هذا النشاط سريا من تحت الأرض قبيل ثورة أكتوبر 1964م . أو علنيا من فوق الأرض كجانب من ثمار ثورة أكتوبر المجيدة.

وخسرت ثورة أكتوبر المجيدة أيضاً بعض صفحاتها ؛ وسطور عديدة كان من المفترض أن توثق لها . وتمتد بأطروحاتها إلى آفاق التطور ؛ من خلال التجربة والمشاركة الفعلية للحزب الشيوعي السوداني في تفجيرها ونجاحها... ومن واقع أن أدبيات هذا الحزب وإبداعاته الفكرية المرتبط أكثرها بالبيئة السودانية كانت سترفد أهداف ثورة أكتوبر ... هذه الثورة التي يتمسك بها الحزب الشيوعي خاصة ، ويعتبرها وليدة بعض أفكاره ومقاومته لنظام عبود العسكري.

وبالطبع فقد كان الحزب الشيوعي نفسه هو الخاسر الأكبر .. ودفع ثمن كبوة جواده (عبد الخالق محجوب) فادحا .. ولا يزال يمارس الرقص مذبوحاً حتى يومنا هذا.


عبد الخالق محجوب وقد بدت عليه آثار التعذيب 
وفي هذا الإطار والمفهوم ، أرى أن فحص تجربة الحزب الشيوعي دون إنشغال بموالاة أو معاداة ؛ تشير إلى جوانب إيجابية ؛ كان من أبرزها نجاح هذا الحزب في ترسيخ ورسم هيكل عام وملامح خاصة لحزب يستلهم من الواقع المحلي قناعاته... ولكنها تجربة أجهضت على غير ميعاد ولم تكتمل.

للأسف .. كنا ولا نزال نتوقف دائما عند السرد للأحداث . ومهاجمة هذا الفصيل وذاك المعسكر ، وهذه التوجهات وتلك .. أو التمجيد الغير مبرر وفقاً لإملاءات الأجندة والمواقف المسبقة ؛ .... أو محاولة النفخ في القرب المخرومة بلا طائل سوى التسلق والتملق للحكام وذوي النفوذ طمعاً في منصب وأجور وهبات وعطايا.
ولكننا نرجو اليوم في عصر توفر وسائل الإتصال الحرة ، وسيادة الشبكة العنكبوتية مجال إعادة تشكيل الآراء وبناء الأمم .... نرجو أن نغوص إلى أعماق التجربة ؛ ونستخرج من تاريخ السودان ما يكفل وضع الأسس الكفيلة بإحتمال ثقل البناء وفسيفساء مكوناته.

ومن ثم فلا بد أن يلتفت الناس إلى رصد وتوثيق التجارب بحثا عن خلاصة المآلات ؛ دون التوقف عند الأشخاص.

دائما تظل للديمقراطية رحماتها .....
فخلال فترة التيه التي تعرض لها الحزب الشيوعي بعد تعرضه للحل والطرد من البرلمان عام 1965م خلال العهد الديمقراطي .... كان هذا الحزب أقدر على تجميع شتاته ، والعودة إلى إنتخابات عام 1967م تحت مسمى الحزب الإشتراكي .
ولكن كان المصير مختلفاً منذ صبيحة 22 يوليو 1971م ، فقد جرى نحر هذا الحزب على نحو من الشراسة والجرأة الغير متوقعة . وتحدى خلالها نميري حتى جبروت الكرملين والكتلة الإشتراكية أجمع . فقد حاول الكرملين الإتصال به مباشرة لتخفيف أحكام الإعدام إلى المؤبد في حق عبد الخالق محجوب و الشفيع أحمد الشيخ  ولكن دون جدوى .. ثم إقدم الكرملين على توسيط أنور السادات لإثناء جعفر نميري عن إعدامهما ؛ ولكن دون طائل.   

لقد كان من جوانب سوء حظ هذا الحزب أن خروجه إلى العلن والعمل العام بعد ثورة أكتوبر 1964م . ساهم خروجه هذا في الكشف عن شخصيات وأسماء قادته وكوادره وجوانب من تكتيكه وخططه إلى الكافة .... وهو ما أسهم لاحقاً في سهولة مطاردتهم وتصفية معظمهم عقب عودة نميري للحكم في 22 يوليو 1971م.

واقع الأمر فإن ممارسة النقد والوقوف في وجه افكار وممارسات حزب سياسي ما شيء ... والمناداة أو السعي إلى تكفيره أو تجريمه وتصفيته وحله شيء آخـر ... وفعل هو جريمة نكراء في حد ذاتها.

العواقب التي أسفر عنها نحر الحزب الشيوعي ماضية في حريقها ولم تنتهي بعد .... وفي الحلقة الخامسة من شهادته على العصر ؛ أرى الترابي وحراك فصيله الإسلامي قد عانى هو الآخر من عواقب هذا النحر الذي ظن للوهلة الأولى في يوليو 1971م أنه قد جاءه بــرداً وسلامــا....

مصعب المشرّف
17 مايو 2016م

الخميس، 5 مايو 2016

شهادة الترابي على العصر (حلقة 2)

شهادة الترابي على العصر
حلقة (2)

مصعب المشرّف
5 مايو 2016م
في الحلقة الثانية من شهادته على العصر تحدث الترابي عن الآتي:
1)   التعريب في السودان.
2)   مبدأ المحاسبة على الفساد.
3)   كيف إشتعلت ثورة أكتوبر.

كذلك فقد تطرق الترابي إلى الحديث عن تجارب خاصة به في سنوات دراسته خارج السودان . وعن معايشته لنماذج من المجتمعات الأوروبية و الأمريكية ..
ونختصر التعليق في هذا الجانب بالقول أنها تظل تجارب حاصة ؛ لم يفلح الترابي في إقناعنا بأنها كانت لها  تأثير إيجابي على المستوى العام في بلاده ... فلا رأينا من الترابي (حين كان بيده القرار) حرص على حقوق الإنسان والتنوير والثقافة والفنون .. ولا رأينا منه تكريسا للديمقراطية والتعددية ....
ومن ثم فلا نراها سوى شهادة على نفسه لا علاقة لها بالعصر.... ولو ترك لكل شخص الفرصة في الحديث عن نفسه لأطال وصال وجال ؛ وملأ الأقداح في الإطناب والمدح الذاتي . وأتى لنفسه من الفضائل ؛ وقال فيها ما لم يقله إبن تيمية في فضل الصلوات الخمس.
.................................

تطرق الترابي لتاريخ وواقع التعريب في السودان ؛ من زاوية ظل الترابي يحاول جهد إيمانه أن يختص فيها بالفضل لنفسه وحده دون غيره . أو كأنّ تاريخ السودان لم يبدأ وينتهي إلاّ  بــه.
وفي هذا المعرض فقد إدعى الترابي لنفسه وحزبه ونظامه السياسي الذي سيطر على مقاليد الحكم في البلاد منذ عام 1990 وحتى عشية عام 2000م .. إدعى أنه أفلح في نشر اللغة العربية في كافة أرجاء السودان . وخص بالذكر أقصى الشمال ؛ و دارفور ؛ وجنوب السودان قبل الإنفصال.
الواقع الذي أفرزته تجربة الترابي يشير إلى أنه قد تسبب بكارثة وطنية أصابت الشعب السوداني في كبده . وأودت بالكثير من التراكمات الثقافية والاجتماعية التي عكف هذا الشعب العظيم على إضافتها جيلا بعد جيل ؛ منذ دخول العرب المسلمون المنظم إلى السودان بعد توقيع إتفاقية البقط . يحملون في أيديهم أسباب الحضارة الإنسانية الجديدة المتمثلة في تعاليم الإسلام الحنيف وعلى هدي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة . فكان على يد هؤلاء الفضل الأوحد في دخول وإنتشار اللغة العربية في السودان .

وبالمقابل نـرصـد ماذا فعل الترابي حين سلطه الله سيفا على الرقاب والعباد ؟  سارع الترابي إلى إعلان "الجهاد الإسلامي" تجاه ما كان يعرف بجنوب السودان .. وتجاه قبائل جنوب كردفان والنيل الأزرق . ودون سند  من الشرع أو إكتراث بأن شروط  "الجهاد" لا تنطبق هنا جملة وتفصيلا.

الجهاد لا يكون إلا في سبيل الله.
ومن ثم فالجهاد الإسلامي لم يفرض لأسباب سياسية أو وطنية.
والجهاد لا يكون وسيلة شرعية لتأسيس دولة.

ويجب التفريق ما بين الإستشهاد و الجهاد من حيث ردود الفعل والمصطلح تماشيا مع قوله صلى الله الله عليه وسلم من مات دفاعا عن عرضه فهو شهيد . ومن مات دفاعا عن ماله فهو شهيد  إلى آخر الحديث المعروف . والذي يخلط فيه بعض الناس جهلاً بين الجهاد والإستشهاد.

إذن فالجهاد الإسلامي لم يفرض سوى كرد فعل ضد الحكام أو الدول التي تمنع أنظمتها دخول الإسلام إلى أراضيها كديانة ورسالة سماوية ؛ من حقها أن تجد حظها في التعايش والتفاعل كعقيدة إلى جانب العقائد الأخرى ..... ومن ثم نفهم هنا المدخل إلى أنه لا جهاد إلا في سبيل الله......
وعليه فإننا نستغرب هنا كيف يتعامى البعض عن السفر للجهاد في بورما (ميانمار) . ويفضل الجهاد ضد "المسلمين" في الشرق الأوسط أو الدول الأوروبية التي لم تمنع الإسلام من التمتع بالحرية داخل أراضيها.

والذين يتعللون من تلاميذ الترابي بحروب (جهاد) تحالف الفونج والعبدلاب ضد مملكة سوبا المسيحية كسابقة .. فإن إعادة قراءة للتاريخ الوطني تؤكد أن دمار سوبا لم يكن لغرض ديني جهادي . بقدر ما كان لبسط هيمنة مملكة سنار على الممالك المتناثرة جنوب وشمال مقرن النيلين .... وما كان لعمارة دنقس وعبد الله جماع الإضطرار إلى تلك الحروب لو كانت مملكة سوبا قد نفضت يدها عن التبعية للخارج ؛ ورضيت الرضوخ والدخول في بيت الطاعة السناري الوطني.

وفي المقابل ؛ لم تمنع الحركات المسلحة في الجنوب أو جنوب كردفان والنيل الأزرق الدعوة إلى الإسلام ، وتشييد المساجد أو إقامة الصلاة أو تعليم وتحفيظ القرآن ، وتمتع المسلم بشرائع الإسلام في حياته ومعاشه وزواجه وطلاقه ومماته .. إلخ في أراضيهم حتى يعلن الترابي في حقهم الجهاد.
 .. بل على العكس من ذلك كان الإسلام في تلك المناطق والجهات (مجتمعة) هو دين الأغلبية . أو الشريحة الأكبر وسط غيرها من المسيحيين والوثنيات . وأكثر الديانات إنتشاراً وقدرة متنامية على التغلغل في مفاصل المجتمع.

والأنكى وأفضح من كل هذا وذاك أن الترابي حين كان يحكم البلاد من وراء ستار وأمام ستار خلال عقد كامل من الأعوام .. كان يرفع راية الجهاد على الهوى والتفسير السياسي الذي يحقق مصالح حزبه ويعزز سلطاته .... ثم وحين خرج من القصر مطرودا غير مأسوف عليه صبيحىة عام 2000م .... فوجئنا به لا يستحي ، ويعلن نكوصه عن فتواه بالجهاد والشهادة ، وتمزيقة صكوك وشهادات بحث تمليك حجرات وشرفات الفردوس وحورها العين لموتاه...... ويعلن أن كل من مات في حروب (الجهاد) إنما هم محض فطيس ... ومصيرهم إلى رميم.

وكانت الكارثة الكبرى أننا أصبحنا نعاني اليوم من تمزق في النسيج الإجتماعي والعنصرية البغيضة . وتنامي الشعور بالحقد والكراهية لكل ما عربي لدى قطاعات واسعة من السودانيين ؛ الذين وإن كانوا يتحدثون العربية إلا أنهم لا ينتمون عرقيا إلى العرب. ولم يعودا يثقون بهم.

عليه . فإن والحال كهذه . فلربما يتساءل البعض عن الفرضيات التي أسهمت في إنتشار اللغة العربية في ربوع السودان . وتطور هذه اللغة المضطرد على مر السنوات حتى أصبحت "الوعاء والأداة" التي إرتضاها أهل السودان للتعبير المشترك عن ثقافتهم المتنوعة .

وفي هذا الجانب ينبغي الإشارة إلى أن هذه المساحة التي تحتلها اللغة العربية كأداء للتعبير الحضاري والثقافي الجمعي ؛ إنما نشأت وتوسعت وتراكمت على أكتاف الجميع سواء العرب أو غير العرب من أهل السودان.

إنتشر الإسلام في السودان بالقدوة الحسنة والأخلاق الكريمة التي تحلى بها أهله وبعض الصحابة القادمون لتوهم من جزيرة العرب.

وحيث أن القرآن الكريم قد تنزل باللغة العربية الوسيطة على الحبيب المصطفى الذي ينحدر من أصلاب العرب المستعربة ....... فإنه حين إعتنق معظم أهل السودان الإسلام فقد دخلت إليهم اللغة العربية كتعبير وجداني لهذا الدين الجديد الذي تميز عن غيره من الرسالات السماوية بأن حباه الله بميزة الحفظ في الصدور ؛ والتلاوة من الذاكرة على ألسن سبعة تهتز له الأبدان وتنفتح القلوب الضارعة وتنشرح له الصدور . وتستعيد النفس تناغمها وإنتظام  خلاياها بما يزيل عنها توترها ويرخي المشدود من أعصابها.........  فإننا هنا إنما نرد الفضل إلى القرآن الكريم في إنتشار اللغة العربية.

بدأ إحتكاك أهل السودان بالإسلام واللغة العربية منذ عام 21هـ (642م) حين أرسل عمرو بن العاص والي مصر .. أرسل القائد عبد الله بن سعد إبن أبي سرح إلى شمال السودان في عشرين ألف من الفرسان. ثم سرعان ما أعادهم إلى مصر بعد أن أيقن بعبقريته وذكائه الفطري أن حال العرب والدين في هذه الأرض السمراء الجديدة لن يجدا طريقهما إلى الإستقرار والإنتشار إلا بالمسايسة والتي هي أحسن.
 
وربما يغيب عن البعض حتى يومنا هذا الملاحظة والرصد الدقيق للشخصية السودانية وتركيبتها النفسية ؛ التي عادة ما تكون أكثر قابلية للتشكيل عندما يتم التعامل معها بالحسنى والقدوة الحسنة ... وأن غير العرب من أبناء السودان إذا تركوا وشأنهم ؛ دون محاولة لبسط الهيمنة الثقافية عليهم ؛  فإنهم أسرع ما يكونون إلى تعلم وتبني وإستيعاب اللغة العربية والديانة الإسلامية ؛ ويخرج الله من أصلابهم جيلاً بعد جيل من يعلي من شأن هذا الدين واللغة... ويثري العادات والتقاليد المرتبطة بهما.

لقد أصبحت اللغة العربية هي لغة الدولة ، ولسان معظم القبائل المكونة لسلطنة  دارفور منذ عهد السلطان سليمان الأول 1445م.

وكانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية والمتداولة لدى كافة قبائل الشمال قبل بزوغ شمس مملكة سنار عام 1505م
الإمام محمد أحمد المهدي 
وكانت اللغة العربية هي الوسيلة التي حملت رسائل الإمام محمد أحمد المهدي وأسس وقناعات دعوته الإستقلال عن الحكم الأجنبي إلى كافة أهل السودان ......... ولكن للأسف فقد أهمل الناس "رسائل المهدي" ؛ وما تحويه من النصوص الثورية البالغة الثراء  الأدبي والعقائدي . فاقتصروا على تسميتها "منشورات" ؛ ولم يهتموا سوى بتكريس "راتب المهدي" حتى يقللوا من شأن الثقافة الوطنية السودانية . ويحاصروا الدعوة المهدية الوطنية داخل أسوار بيت طائفي وراثي ؛ وأوراد تعبدية .
......
وبوجه عام لا يمكن إغفال دور الخلوة والمسيد في نشر وتعليم اللغة العربية. وإرتباطهما بتثبيت دعائم الممالك الإسلامية طوال الفترة التي سبقت الغزو والإحتلال المصري للسودان عام 1821م.


د. محي الدين صابر 
وفي التاريخ المعاصر .. ولغرض الإنصاف لا غير ... فقد كان "للثورة التعليمية" أو بما يسمى بالسلم التعليمي الجديد الذي وضعه الخبير التعليمي د. محي الدين صابر قيد التنفيذ عام 1970م ؛ خلال عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري .... كان من نتائج تطبيق هذا السلم التعليمي الجديد بمناهجه المعربة وإنتشاره الجغرافي .. كان له الأثر الفاعل في نشر اللغة العربية وإحتكارها جانب التحصيل العلمي والتأهيل الأكاديمي ......

ولعله من الطرافة بمكان أن نذكر بأن الدكتور محي الدين صابر لاينتمي عرقيا إلى العرب . ولكنه من أبناء القبائل النوبية أقصى شمال السودان ...

ومن جميع ما سبق سرده ؛ يستغرب المرء كيف يأتي الترابي عام 2010م ليدعي لنفسه وللنظام الذي خرج من جلبابه الفضل في نشر اللغة العربية؟
................

وفي معرض شهادته على العصر فقد حاول الترابي تفريغ مبدأ المحاسبة على الفساد من معناه  ؛ حين قال أن الشعب السوداني بطبيعته مسامح ؛ ولا يميل إلى محاسبة الساسة والمسئولين بعد تنحيتهم أو إسقاطهم عن كراسي السلطة ....

إن الشعب غير منوط بالمحاسبة الجنائية للفاسدين وإلا فإن الأمر سيتحول إلى فوضى .. ولكن المسئولية أمام الله والشعب تقع أولاً وأخيراً على النظام الحاكم.

سبحان الله .... لم نعرف نكوصا عن محاربة الفساد والمحاسبة عليه إلا في ظل الترابي ونظام الإنقاذ الساري ؛ تعلل فيها بشتى المزاعم وتحريف تفسير الآيات القرآنية. وإنكار الأحاديث النبوية تحت مسمى ضعيف وموضوع ...

وقد أغرى ذلك كافة الفاسدين الذين أسكرتهم السلطة فنسوا أنفسهم ، ولم يبالوا بما أنزل الله من شريعة يحاسبهم عليها منذ بداية إنتقالهم إلى الدار الآخرة وقت أن تبلغ الروح التراقي وتلتف الساق بالساق ..... أو كما قال عز وجل في محكم تنزيله من الآية (93) في سورة الأنعام : [ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون] .
ثم تبعتها الآية رقم (94) من التي تشير إلى عذاب القبر حين يدفن الظالم وحده ... ويذهب عنه المنصب والجاه وأهله والأحباب والأصدقاء .
وهذه حالة إختص بها الله عز وجل محاسبة أهل الظلم ؛ وهي تختلف عن تلك الحالة التي أختص بها أهل الكفر  في قوله من الآية  (50) في سورة  الأنفال: [ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ].

والشيء الذي يحفظه التاريخ للديمقراطية الليبرالية في السودان . أن البرلمان السوداني في عهد الديمقراطية الثانية كان قد أجبر أكثر من وزير على الإستقالة لأسباب تتعلق بشبهات فساد أو تورط فيه .
ومنهم (دون ذكر الأسماء) وزير مواصلات حوسب على شبهة فساد مرتبط بعطاء شراء محطة أقمار صناعية للإتصالات ففضل هذا الوزير الإستقالة ..
وكذلك وزير صحة أخر أضطر للإستقالة بسبب عدم تبليغه الشرطة بعرض رشوة عليه مقدارها 300 جنيه سوداني . في زمان كان راتب النائب البرلماني دون بدلات  150 جنيه في الشهر.

كذلك لا ينسى التاريخ للديمقراطية الليبرالية أنها قد أخرجت للواجهة قانون "من أين لك هذا؟" ..... ولكن للأسف فقد كان إنقلاب جعفر نميري في مايو 1969م كفيلاً بوأده قبل أن تتمكن الدولة من تقنينه وتكريس الأدوات والوسائل واللوائح التي تجعله فاعلاً قيد التنفيذ.

واليوم ...... وعلى الرغم من الضغوط التي يمارسها أصحاب الأجندة الوطنية الصرفة ... فإن الرأي العام يعيب على حكومة الإنقاذ  إصرارها عدم الإلتفات إلى المطالب الملحة بضرورة تفعيل قانون "من أين لك هذا" ... حتى تصبح المحاسبة واضحة على أسس سليمة ؛ ما بين الحالة المالية للشخص وأسرته وأصهاره قبل توليه المنصب ، ثم حالتهم الإستفزازية بعد سنوات من تقلده المنصب .... وإنتهاء بحالتهم الميارديرية الأخرى بعد إقالته عن المنصب.
.................
 حسن الترابي
أخيراً يأتي حديث الترابي عن دوره الجوهري المفصلي في إشعال ثورة 21 أكتوبر 1964م بالصدفة .... يأتي حديث الترابي هنا محض خرافة أضحكت عليه كافة قطاعات الشعب السوداني حتى الإتكاءة.... وربما لأجل ذلك آثر الترابي أن تبث قناة الجزيرة هذه الحلقات من شهادته على العصر بعد مماته ودفنه تحت الثرى ؛ حتى يتحاشى ضحك وسخرية أبناء بلاده عليه في وجهه.
الطالب أحمد القرشي
والطريف أنه جعل من مشاركته في ندوة عامة من ضمـــن ندوات متسلسلة اقامها إتحاد طلاب جامعة الخرطوم في ذلك العام ؛ تناولت الحريات السياسية . وشارك فيها العديد من النخب الأكاديمية وقادة الأحزاب والتنظيمات السياسية والعقائدية  .. جعل الترابي من مشاركته الوحيدة هذه سببا لإشتعال ثورة أكتوبر الشعبية المجيدة ..... وربط بينها وبين خروج طلاب جامعة الخرطوم في مظاهرة سقط فيها الطالب "أحمد القرشي"... والتطور اللاحق الذي شهده ما بعد تشييع جثمان القرشي إلى مثواه الأخير من ميدان عبد المنعم ؛ عبر مسيرة هادرة شاركت فيها كافة قطاعات الشعب . والصور موثقة وموجودة على الإنترنت .. ولكننا لا نرى فيها حسن الترابي سائراً على قدميه في مقدمة الصفوف كما إدعى .. بل نرى ذلك التوثيق الوطني والمهني النبيل لنماذج من الطاقم الطبي في مستشفى الخرطوم .... وحيث ألهمت الممرضات والطبيبات الشعب السوداني صحوة الروح . وأعادت إليه معاني الرجولة . فسجلت المرأة السودانية بذلك السطور الأولى لهذه الثورة الشعبية المنقطعة النظير ، والتي أصبحت الركيزة في إستلهام الشعب لقدراته مهما كان حجم الصدأ أو أصاب  النفوس الوهن.
تشييع نعش الطالب أحمد القرشي
ومن جهة أخرى فإن هذه الصور الموثقة لهذه المسيرة التي حملت جثمان شهيد الثورة "أحمد القرشي" ... وجدت هذه الصور طريقها للنشر في الصحف السودانية على الفور . وشاهدها أبناء الشعب السوداني في كافة أرجاء البلاد صبيحة اليوم التالي.

 .... ومن ثم فإن هذا الواقع ينفي مزاعم الترابي بأن إشتعال الثورة إنما جاء صدفة ..... فكيف والحال كذلك من حيث إقدام الصحف اليومية على نشر هذه الصور في صدر صفحاتها لو لم تكن السلطة قد بدأت تتسرب من بين أيدي المجلس العسكري الحاكم . فحال ذلك دون قدرتهم على مصادرة هذه الأعداد ... أو بما يعني من جانب آخر أن هذه المسيرة إنما كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير .

واقع الأمر فإن الترابي حين وصف إشتعال ثورة أكتوبر بأنها إنما جاءت  محـض صــدفة ... فإنه هنا يرغب في أن يغطي على حقيقة أنه كان آخر اللاحقين والمتسلقين بالعربة الأخيرة في قطار ثورة أكتوبر المجيدة .... وأنه لم يحد طريقه إلى المشاركة فيها إلا في الثواني الأخيرة ؛ حين إلتفت الثوار الأصليون حولهم فلم يجدوا وسطهم ملتحي متأسلم يجلسونه في الكرسي الفارغ حول الطاولة الوطنية.


الرئيس الأسبق إبراهيم عبود
والحقيقة أن المظاهرة الطلابية المشار إليها إنما جاءت كرد فعل من جانب إتحاد الطلاب على قرار حكومة الرئيس إبراهيم عبود بمنع مواصلة عقد الندوات داخل الحرم الجامعي ؛ بعد أن لاحظ جهاز أمن الدولة (البوليس السري) آنذاك ؛ لاحظ زيادة عدد الرواد المضطرد . ومشاركة العديد من الناشطين السياسيين والنقابيين وطلاب الثانويات والمعاهد الأخرى بالحضور والإستماع والمناقشة ..... وتناول بعض الصحف لأمر هذه الندوات وما يدور فيها .. وبعد أن تطور موضوع هذه الندوات ليشمل مشكلة الحرب في الجنوب . وأسلوب المجلس العسكري الحاكم برئاسة إبراهيم عبود في معالجة التمرد بالحديد والنار لا غير ... وتفشي شائعات قوية بأن المجلس العسكري الحاكم بصدد معالجة التمرد بإسقاط قنابل حارقة ونابالم على المتمردين والأهالي داخل الغابات والأحراش .

وعليه ، فقد كان من الطبيعي أن يصاب العديد من قطاعات الشعب السوداني بالذهول : لكون أن الترابي قد تجرا على الكذب أمام عدسات برنامج "شاهد على العصر" . دون أن يضع في حسبانه أن مقاله ومزاعمه هذه ستكون خصما تراكمياً على مصداقيته عبر العصور . بوصف أن المواطن السوداني سيكون أول من يستمع إليها ... ولكن ربما لم يضع الترابي الشعب السوداني في حسبانه .. وظن أنه يكفيه تلميع سيرته أمام الرأي العام العربي والإسلامي .....

ربما يكون ذلك هو السبب في جرأة الترابي على الكذب ... ولكن متى كان الشعب السوداني وإزدهاره ومصالحه لا بل وحتى خاطـره يشكل أولوية لدى الترابي الذي ظل طوال حياته مفتونا بتنظيم "الأصولية العالمية" وأكثر إحساساً بالواء لها بالمقارنة مع الولاء لوطنه . وإلى درجة لم يبالي فيه برهن حاضر السودان ومستقبله لهذا التنظيم الأصولي العالمي ؛ الذي نشأ في ألمانيا ثم إنتقل بعدها إلى تركيا وليجعل من السودان حقل تجارب لما يسمى بالإسلام السياسي.