‏إظهار الرسائل ذات التسميات شهادة الترابي على العصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شهادة الترابي على العصر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 15 يونيو 2016

شهادة الترابي على العصر حلقة (8)

شهادة الترابي على العصر

حلقة (8)

مصعب المشرّف
14 يونيو 2016م

في الحلقة الثامنة من شهادة الترابي على العصر التي سجلتها له قناة الجزيرة في أكتوبر 2010م . وشرعت في بث حلقاتها بعد وفاته في مارس 2016م .....
في هذه الحلقة الثامنة أدلى الترابي بإنطباعات ؛ وأجاب على أسئلة وجهها له محاوره  أحمد منصور ، كان أهمها ما يلي:
1)   زيارات الترابي لعديد من الدول والأقليات المسلمة.
2)   مقابلة الترابي لشيخ الجامع الأزهر.
3)   وصفه للمواطنة السودانية بالإجتماعيات.
4)   إنتفاضة أبريل 1985م.
ومن ثم فبالإمكان تفنيد ومناقشة وجهات نظره هذه على النحو أدناه:


1)   زيارات الترابي لعديد من الدول والأقليات المسلمة .
قال الترابي أنه قد شرع في القيام بزيارات وجولات عالمية ، شملت نصف الكرة الأرضية في سبيل لم الشمل الإسلامي في الشرق والغرب . من الصين فأفغانستان والباكستان إلى الى الجزائر .... وذهب شمالا حتى الشيشان في روسيا ثم الولايات المتحدة وكندا ......
ولكن الذي لم يسأله عنه محاوره ؛ ولم يتمكن الترابي من تفسيره ؛ هو من أين حصل حسن الترابي على الأموال ، التي مكنته من الوفاء بنفقات هذه الزيارات الباهظة في معية وفود يلزمها تذاكر سفر وإقامة ومأكل ومشرب وملبس ... وهو الذي زعم في حلقات سابقة أنه إنما كان يعتمد في تسيير برامج وأنشطة وتوسيع عضوية الحزب .. كان يعتمد على إشتراكات الأعضاء وتبرعات بعض التجار ......
ربما يكون مثل هذا التبرير قد وجد قبولاً لدى البعض من غير السودانيين في الخارج .. ولكنه قطعاً لن يجد أذناً صاغية لدينا نحن الذين ندرك إلى أي مدى (محدود) يمكن أن تسهم به إشتراكات الأعضاء وتبرعات تجار في تمويل تكاليف أسفار الترابي ؛ ومن هم في معيته التي غطت نصف الكرة الأرضية؟

بمعنى آخر . فإن حسن الترابي إنما يثير إستفهاما يتعارض مع نصوص الدستور ؛ والذي يمنع اللجوء إلى دول أو جهات أجنبية للحصول على تمويل لأحزاب وتنظيمات ..... ويؤكد لنا هنا أنه إنما كان يعتمد في تمويل خطط وأمانات أنشطة وبرامج الحزب على تمويل خارجي على رأسه تنظيم الأصولية العالمية ؛ ولا نستبعد ألـ CIA.

وعليه فإن أي إتهامات ساقها الترابي أو قد يسوقها بعض تلاميذه عن إعتماد هذه الطائفة أو ذاك الجزب وتلك الجماعة على تمويل حارجي من هذه الدولة والمنظمة .. لن تكون هذه الإتهامات ذات جدوى من واقع قول الشاعر : لا تنهى عن خلق وتأتي بمثله عار عليك إذا فعلت عظيم ...... وهو المعيار الذي ينبغي على الأحزاب والجماعات الدينية خاصة أن تلتزم به وتدرك أنها محاسبة على موازينه.

نعم أفلح الترابي من هذه الزيارات التي قام بها على جني كافة فوائد الأسفار الخمسة .. وأضاف إليها أنه أصبح يتمتع بشهرة عالمية تخطت حدود بلاده . فلبت بذلك طموحاته إلذاتية إلى الشهرة التي جرى الإشارة إلى نزعته لتحقيقها خلال الحلقات السابقة من هذه السلسلة. 

وكذلك أتاح هذا التمويل السخي (بمقاييس دولة أفريقية) في تمكين الترابي من القيام بجولات عديدة داخل السودان لتنشيط العضوية والتجنيد لحزبه وعرض أفكاره . ساهمت دون شك في جذب الإنتباه الشعبي إليه على نحو ثبت فيما بعد أنه كان آنيـا ، ويندرج فقط تحت بند ردود الأفعال والإنبهار الوقتي بقيادي حزبي يتحدث للناس في ندوات عامة بمنطق الإسلام ويعدهم بالخلافة الراشدة بعد أن يؤدي الصلاة وسطهم بأداء الساسـة المسرحي.  

مشكلة جميع الأحزاب السياسية التي تدعي أنها إسلامية وترفع شعارات بهذا المعنى. وترتدي "أزياء" وترسم وجهها بقسمات ومظاهر إسلامية من لحى وشوارب وزبيب صلاة .. إلخ .. مشكلتها أنها سرعان ما تصطدم بعائق  شفاعة الأقوال بالأفعال .. وذلك أن الناس إنما تحاسبهم بأقوالهم وأفعالهم في آن واحد ..... فيجدونهم على الدوام يقولون ما لا يفعلون.

ولاشك أن الشعب السوداني قاطبة قد إندهش وهو يرقبهم يرفلون في النعيم وحلل الرفاهية ، ويتدافعون بالمناكب وراء ملذات الدنيا الفارغة ... وهو الذي كان يظن قبل عقود أنهم إذا وصلوا إلى كراسي الحكم فسيفشون العدل والزهد ...... ويرتضون المسكن والمطعم الحلال ... ويأكـلون عـيش ويلبسون خـيش.
 
2) زيارة الترابي للجامع الأزهر:
أخطر ما قاله الترابي ؛ أنه وبعد زيارته للقاهرة والحوار الذي دار بينه وبين شيخ الجامع الأزهر وقتها .... قال الترابي أنه لو لم يكن مسلماً ؛ وكان على أية ديانة أخرى غير الإسلام والمسيحية ؛ لكان قــد  تمنـى  الإلتقاء ببابا الفاتيكان عوضا عن لقاء شيخ الأزهر.

وحاول الترابي تغذية الإنطباع بأن الهالة التي يتمتع بها الأزهر أكبر من مساهماته وحجمه الحقيقي..... وأن هذا الصرح يبدو أجمل من الخارج عنه من الداخل.

والأطرف من كل هذا وذاك أن الترابي قد نسي إسم شيخ الجامع الأزهر الذي إلتقى به رغم إنطباعه السلبي هذا.

عموماً فإن الأزهر لا يجد قبولا وإرتياحا لدى الأصولية العالمية وكافة الأحزاب والجماعات الإسلامية على حد سواء .. فهؤلاء يرغبون في السيطرة على الجامع الأزهر لتحويله إلى منصة سياسية ، وتحريف الشرع وتوليف الفتاوي بدون سند شرعي أو دليل على الطريقة اليهودية التي تخدم النزعات البشرية السلبية ، ولا تلتفت إلى مكارم الأخلاق ....... في حين أن علماء الدين في الأزهر لهم وجهات نظر وقناعات راسخة تتمسك بتكريس وحصر دور الأزهر كمؤسسة دينية علمية تعنى بالدراسات الإسلامية والفتاوي الشرعية المعتمدة على الدليل الموثق من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

ونلاحظ هنا أن الترابي في طرحه لبرنامج وأهداف زيارته لمصر .. نلاحظ هذا الدأب الذي كان ولا يزال تتبعه أحزاب وجماعات الإسلام السياسي ؛ وهي التي تتوجه دائما إلى كراسي السلطة في الدول التي تنشط فيها أو تسعى إلى إقامة نوع من قنوات الحوار معها .... وربما كان الترابي قد أدرك أشياء وارتسمت في ذهنه وفؤاده إنطباعات وقناعات إيجابية أخرى غير تلك التي خرج بها من زيارته لمصر . والتي لم يهتم فيها سوى بمقابلة الرئيس حسني مبارك و شيخ الجامع الأزهر.

على سبيل المثال ؛ لم يتطرق الترابي إلى أية محاولات أو إهتمام من جانبه للجلوس إلى أحزاب المعارضة ، وممثلي النقابات ، وبعض رؤساء وأعضاء اللجان البرلمانية المصرية ، وبعض منظمات المجتمع المدني .. إلخ ... وهذا عين الخطأ وقمة سوء التقدير.

وأستغرب كيف غاب عن خلد الترابي أن الجامع الأزهر مؤسسة ديينية غير سياسية ... وأنها عادة ما تفرق بين التدين كمسلك و الدين كعلم.

وأستغرب كيف غاب عن ذهن الترابي أن النواة الصلبة للأزهر الشريف إنما تتشكل من هيئات ولجان نافذة لايمكن حتى لشيخ الأزهر تجاوزها أو تخطيها.

بمعنى آخر فإن منصب شيخ الجامع الأزهر إنما يتركز نشاطه اليومي على التنسيق والإدارة العامة والإشراف على تطبيق الخطط والبرامج التي ترفع إليه من اللجان والإدارات ......  و "تمثيل الأزهر" في المناسبات المختلفة سواء الوطنية أو الدينية أو المدنية... وإستقبال الوفود التي تأتي من شتى بقاع العالم لتسجيل زيارات تشريفية ؛ هي أقرب إلى البروتوكولية منها إلى الحوارات ... الحوارات التي لا يقبل بها الأزهر إلا  وفق جدول أعمال متفق عليه سلفا ، وتحتضنه مؤتمرات معدة خصيصا لهذا الغرض.

وربما كان ينبغي على الترابي ( قبل تكوين وتحديد الغرض من زيارته للأزهر الشريف للإلتقاء بشيخه ) أن يلجأ أولاً إلى أضابير وكتب التاريخ التي تحكي عن علاقة الجامع الأزهر ، وردود أفعاله كمؤسسة دينية مع السياسة والحكم .. وعلاقته بالحكام والسلاطين والغزاة بمن فيهم نابليون بونابرت.....

ولا أدري إلى متى تبقى الأحزاب والقوى السياسية السودانية على ذات النسق الذي سعى به الترابي إلى مصر ؟ ..... ولماذا لا تتجاوز هذه الأحزاب والتنظيمات والقيادات السياسية الحوار مع المصري الحكومي الرسمي وحده لتمتد إلى أحزاب المعارضة والتنظيمات السياسية والإجتماعية المصرية الأخرى؟

والطريف في هذا الجانب أن الطرق الصوفية في البلدين تمارس هذا الحوار العريض دون أن يلتفت إليه أحد في السودان أو مصر .....
والملاحظ أن السفارة المصرية في السودان تمارس هذا الحوار وتنشط على أشدها في الخرطوم والأقاليم . وتلتقي بالعديد من زعماء وممثلي الأحزاب السودانية  والطوائف والقبائل بطول البلاد وعرضها في وضح النهار ، وعلى عينك يا تاجر ......

ولكن في المقابل لا نسمع ولا نرى للسفارة السودانية في القاهرة نشاطاً في هذا الجانب   ...
وحبذا لو إنتهجت السفارة السودانية نهجاً مهنيا بإقامة وإنشاء ومد قنوات تواصل مع تجمعات من الشعب المصري في تلك المدن والأحياء التي تشهد تمازجا بين الشعبين في عابدين ، وعين شمس .... وفي الدلتا والصعيد ، وأسوان ... هذا بالطبع إذا كان الهدف خلق قنوات تواصل شعبي ، ورأي عام مصري متعاطف لمحاصرة التوجهات الحكومية المصرية التي تهزأ هي وإعلامها ومنتجاتها الثقافية والفنية بكل ما هو سوداني وتقلل من قيمته لغرض في نفس يعقوب . وتحرص على الفصل بين الشعبين ؛ لكونها ترغب دائما في إستلاب القرار السوداني الرسمي .   وإبتلاع أراضي شعبه في حلايب وشلاتين ؛ ووضع يدها على المياه العذبة وأسماكها في إمتداد بحيرة السد العالي داخل أراضي شريكها السوداني.
  
3)   وصفه للمواطنة السودانية بالإجتماعيات:
وصف الترابي الشعب السوداني بأنه يفتقد للرابط الوطني ....  وأن إحساسه القبلي يطغى عليه .. وأضاف أن الإحساس الوطني فيه إنما مرده إلى العلاقات الإجتماعية وحدها.....
هذه الرأي يجانبه الصواب . ويفتقد المراجعة التاريخية لمراحل سياسية عديدة مر بها السودان قبل وبعد دخول الإسلام إلى أرضه .... وحيث لا يعقل مثلا أن يغفل الترابي نشأة حضارات وممالك سودانية إتخذت لها عواصم سياسية معروفة في العالم القديم على رأسها حضارتي نبتة ومروي ... ثم وممالك أخرى شكلت البعد والإطار االقومي للسودان الحديث على رأسها سلطنة الفونج ثم الدولة المهدية.

ثم أن الإنسان السوداني . وإن كان يحتفي بقبيلته . فإن هذا الإحتفاء يظل مبرراً طالما لم يكن عنصرياً .... وقد أشار إليه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بما هو مثبت وواضح :
فقد قال عز وجل وجل في محكم تنزيله : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا . إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير). (13) الحجرات.
لاحظ هنا قوله عز وجل (يا أيها الناس) ولم يخصص بمسلمين أو مؤمنين.
وجاء في صحيح البخاري قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
[ من إدعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام]
وغني عن الأمر هنا التوضيح بأن الأب يمتد إلى أعلى فأعلى .... وبمعنى آخر فإن القبيلة إنما تنشأ من صلب أب ومعظمها تتسمى بآبائها لا يغيرهم.

وجاء في سيرة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛ أنه كان يوصي العرب بان يحفظوا أنسابهم عند تفويجه لهم خلال الفتوحات الإسلامية ...

ثم أن على الترابي وعلى كل من يقدح في إحتفاء السوداني بقبيلته وتمسكه بأصله .. على هؤلاء جميعا أن يدركوا أن إسم القبيلة يظل دائما بمثابة الوتد الذي يشد  إليه المواطن السوداني في رحيله وترحاله ومقامه سواء أداخل السودان أو خارجه .... وهو الإحساس والتوجه الفردي والجمعي الأغلب الأعم لدينا.

وأن الإنسان السوداني يصون إسم قبيلته من أن يلوثها بخلق وتصرفات سيئة  مع غيره خاصة في جانب الأمانة والعـفة .. وأن الناس عندنا حينما يمتدحون شخصا أو يعرضون عليه ثقتهم فإنهم عادة ما يقولون عنه (دا ولد قبائل) أو (دي بت قبائل) .... ولا يشير ذلك إلى عنصرية .... ولكن المعنى المراد بهذا التعبير والمصطلح أنهم يتعاملون مع إنسان يستدعي سمعة قبيلته فلا يشينها أو يجلب لها العـار....... وأن الإنتماء القبلي يظل في نهاية المطاف إلتـزام ومسئولية وليس عنصريةً.

والعيب ليس في ممارسة الإحتفاء بالقبيلة .. ولكن جاءت الكارثة والإنطباع السلبي أن بعضنا ربط القبيلة بإثنيات محددة وأحجم عن الإحتفاء بأخرى ..

واليوم  فمن حق كل سوداني أن يحتفي بقبيلته أياً كان موقعها الجغرافي أو أصولها ... وله الحق أن يعمل على صيانة سمعتها بجهده هو وأمانته وتصرفاته هو  قبل أن يرجو من الآخرين ذلك .... وأن نعمل جميعا على التوجه بالقبيلة نحو خدمة أهداف ومرامي السودان قاطبة .....
والمطلوب دائما ترسيخ مفاهيم واضحة لدى الأجيال بما يجعل منهم أناس يستحون على أقل تقدير ويعرفون معنى العيب ... وأنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
وللأسف فلا نرى في فكر الترابي شيئا عن الأخلاق  ....

وحبذا لو كان أول درس يتعلمه الطالب في المنهج الدراسي أن الله عز وجل وجل حين مدح حبيبه المصطفى قال فيه:
[ وإنك لعلى خلق عظيم ]
وأن السيدة عائشة بت الصديق رضي الله عنهما حين مدحت زوجها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قالت :
-         [ كان خلقه القرآن ]
وأنه صلى الله عليه وسلم حين ذهب يعلم ويربي أتباعه في حضرته ؛ ويعلمنا ويربينا نحن اللاحقون إلى يوم الدين. قال:
[ إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ]
........
فأين فــكـر الترابي من كـل هــذا؟ .. وهو الذي كان همه هو وجنوده أن يحكموا السودان لا غير.
..............
ويتبقى بعد ذلك الإشارة إلى إغفال الترابي جانب هام من جوانب إرتباط المواطن السوداني الحميم بأرضه التي هي جزء من أرض الوطن . وكافة المنتجات الأدبية والثقافية والفنية توثق لهذا الإرتباط الوثيق....
ولكن يبدو أن الترابي قد شغل نفسه ووقته بقراءة منتجات السوربون وفلاسفة الغرب العلمانيين ، ودعوات الألماني مارتن لوثر في التجديد اللاهوتي للكاثوليكية .... وظل عاكفا على البحث والتنقيب في كيفية الوصول إلى كراسي الحكم والنفوذ والسلطة السياسية ؛ أكثر من الإنشغال بمنتجات مجتمعه الإنسانية ؛ والتعاطي مع موروثات شعبه وتقاليده ؛ وحضاراته السالفة وأدبياته....   

على سبيل المثال فإن تمازج العرق الأموي مع الفونج والعبدلاب يؤكد أن تهمة العنصرية القبلية لدينا تظل محض خرافة.
ومآلات التمازج العربي مع قبائل النوبة في شمال السودان بوجه خاص تصبان في نفس الجانب من نفي العنصرية القبلية.
ونشأت مملكة وحضارة دارفور من تمازج عباسي هاشمي مع قبيلة الفور السودانية . فكان ذلك دليل على أن القبيلة السودانية تتسـع مضامينها وأحضانها لكل مسالم ينشد التعايش الحضاري الإيجابي .. يثريها ويصبح جزءاً لا يتجزأ منها.

وحتى يومنا هذا لا نرصد حروباً قبلية سودانية كان الهدف والغاية منها إستعباد أو الهيمنة أو إستلاب قبيلة لمقدرات قبيلة أخرى ..... وإنما كانت المنازعات تنشأ (ولا تزال) لأسباب إقتصادية تتعلق بتوغل أفراداً من رعاة هذه القبيلة داخل حدود وأراضي االقبيلة الأخرى دون إتفاق سابق بين الطرفين ....... لا بل وأن الواقع يشير إلى أن مثل هذه النزاعات تنعدم في حالات الرخاء وتوافر الماء والـكلأ  .... ولا تنشأ إلا في الأحوال التي تشح فيها الأمطار وتقل المياه وينعدم المرعى.


وكافة الحروب من المهدية والعالمية الأولى والثانية وحرب الجنوب ؛ يوثق التاريخ أن الجندي السوداني قد خاضها ومنحها دمائه دفاعا عن مصالح الوطن العليا أو عن المبدأ متجاوزاً العنصرية والقبلية.

ثم أن الثورة المهدية (كمثال وطني) قد تجاوزت القبيلة في نضال أتباعها ضد المحتل الغاصب ..... لا بل وقد إستلهم الإمام المهدي نفس الإستراتيجية الإسلامية في حروب الردة والفتوحات ؛ حين جعل لكل قبيلة راية وأمير قبل أن يوزعهم تحت الرايات العامة الأخرى للخلفاء بمسميات الزرقاء والخضراء والحمراء والصفراء...... ومن ثم فلم يؤدي ذلك إلى إثارة النعرات القبلية بقدر ما عزز من إنجاز قتالي مثمر.

وقد نشأت مدن سودانية بعينها (سنار ، الفاشر ، مدني ، أمدرمان) على هيئة تجمعات قبلية ... فجاءت على خلاف غيرها بمردود ثقافي إجتماعي فريد من نوعه ليعـزز الـرأي بأن القبيلة لدينا لا تعاني من قيود العنصرية ....

ويظل مشروع الجزيرة الزراعي المنارة الحضارية الأجدر بالفخر لجهة إمكان تحقيق واقع التعايش السلمي المثمر بين كافة القبائل السودانية.

وعند المقارنــة .... دون التطرق لأسماء دول عربية بعينها (تحاشياً للحساسية المطبوعة) فإن القبيلة السودانية تظل هي الأوفر حضارة وقدرة على التمازج والإنكباب السلمي على غيرها من قبائل أخرى بلا أدنى شـك.
 
4)   إنتفاضة أبريل 1985م
سرد تفاصيل وأحداث إتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت بنميري وإتحاده الإشتراكي البائس إلى الأبد .... التوقف عند هذا السرد لا طائل منه ويظل إجترار غير منتج.

ولكن الذي لانجده وسط ركام الكثير المكتوب عن هذه الإنتفاضة . هو الجانب المتعلق بثمراتها التي أفضت إليها بما يتجاوز جعفر نميري ونظامه الشمولي .....
ولعلنا نتساءل في هذا الجانب عن منتجات هذه الإنتفاضة الإجتماعية والثقافية ... ولماذا لم تحظى حتى يومنا هذا بذلك الألق والبريق الذي زان ثورة 21 أكتوبر 1964م؟

نعرف عن ثورة أكتوبر 21 أنها أحدثت تغييرات مفصلية في قناعات المجتمع وعاداته وتقاليده ..... وأنها أثمرت عن أدبيات ومنتجات ثقافية متميزة عرفت فيما بعد بالأكتوبريات ... وشمل ذلك أناشيد وأشعار وموسيقى جماهيرية مافتيء الشعب يرددها ويحتفي بها إلى يومنا هذا.

جاءت إنتفاضـة 6 أبريل 1985م ؛ مقارنة بثورة 21 أكتوبر 1964م ، وكأنها ولدت يتيمة .....
ومن بين سطور إنتفاضة أبريل منذ دخول عمال السكك الحديدية في أتبرا إضرابا مفتوحا في  مارس 1985م إحتجاجا على غلاء المعيشة .... ومروراً بتظاهرات طلاب جامعة أمدرمان الإسلامية ..... وإنتهاء بدخول البلاد في حالة إضراب عام لم يخرجها منه إلا بيان القوات المسلحة على لسان وزير الدفاع سوار الدهب بالإستيلاء على مقاليد الحكم يوم 6 أبريل .. ومسارعته إلى إعلان فترة إنتقالية تستمر لمدة سنة واحدة .....  ثم بعد أن وجد الشعب الثائر أنه إنما أعاد إنتاج نفس الأحزاب والوجوه التي ورثت ثورة أكتوبر 21 ......

من بين سطور هذا الملخص يمكن إستخراج الكثير ، وإستنباط الأكثر من الجوانب التي أدت إلى تخلي الشعب عن إنتفاضته هذه التي سرقتها وإبتسرتها الأحزاب التقليدية للمرة الثانية . وعلى نحو يثير في نفس الشعب الزهد.

وربما لأن البعض (اليـــوم) ؛ يرغب في إعادة نفس السيناريو بنفس المؤسسات والوجوه القديمة .... ربما لأجل ذلك يجد الشعب اليوم المبرر في اللامبالاة للخروج مرة ثالثة على نحو يجعل خروجه محض ثـالثــة أثــافي ... فـتـرث ثورته نفس الأحزاب والوجوه التقليدية القديمة .. ثم يعقبها إنقلاب عسكـري بقيادة ضابط يظن نفسه عبقـرينـو ..... وتظل ساقية جـحـا تدور في الفراغ.
 
ولكن ذلك لا يكفي أن يجعل أهل القصر ينامون في العســل ..... فلربما تحدث الثورة لأسباب معاشـــة بدأت سحبها تتجمع لتنذر بثــورة جــياع ...


كانت ثورة أكتوبر تطالب بالحرية والديمقراطية .... وجاءت إنتفاضة أبريل تشكو من غلاء المعيشة  ..... فهل تأتي اليوم أو الغد ثورة ثالثة يشكو الشعب فيها من الجوع قبل أي ربيــع آخــر؟

السبت، 4 يونيو 2016

شهادة الترابي على العصر (حلقة 7)

 

شهادة الترابي على العصر
 
حلقة (7)

مصعب المشرف
4 يونيو 2016م
حسن الترابي
كان أهم ما تداوله الترابي .  ومن خلال أجوبته على أسئلة محاوره أحمد منصور في الحلقة السابعة من شهادته على العصر هو الآتي:
1)   الهيكل التنظيمي للحزب . وتشكيلاته السرية.
2) التبعية لمصــر.
2)   إنتفاضة أبريل 1985م ضد نظام مايو الشمولي الحاكم.
...............

1)   الهيكل التنظيمي :
وفيما يتعلق بالهيكل التنظيمي للحزب ؛ فلربما لا يكون لهذا الأمر أهمية بالنسبة للغرض الأساسي من كتابة هذه الحلقات ؛ بوصفها إنما تعنى بالعلاقة ما بين جماعة الإخوان المسلمين من جهة ، والشعب السوداني قاطبة من جهة أخرى.

وغاية ما فهمناه من حديث الترابي هنا ؛ أنه قد أقـر لنفسه بأنه هو الذي صمم هذا الهيكل .. وأن الأمر قد ظل بعد ذلك شورى بينهم تحت مظلة الإطار العام.

وفي الوقت الذي لم يقل فيه الترابي ما سيأتي في هذه الفقرة ... فإن الشعب السوداني يدرك أن الإطار العام الذي يشكل مقاصد هذا الحزب إنما يتمحور في إتخاذ الإسلام (شعار) كوسيلة للوصول إلى كراسي الحكم .... أو بما أصطلح عليه بـ "الإسلام السياسي".

ولكن .... وينبغي أولاً التأكيد هنا على أن القناعة بنظام ديمقراطي ليبرالي حر ؛ تقتضي أولاً التأمين بضرورة ترك الباب مفتوحا أمام كافة الأحزاب السياسية وحرية تشكيلها ..... وأن الخلاف مع الترابي وتلاميذ الترابي إنما هو في الأصل خلاف على ماضي وحاضر ومستقبل السودان لمصلحة الوطن الذي ننتمي إليه ويجمعنا جميعاً . وليس دعوة إلى تصفيتهم والحجر على أفكارهم ..... على العكس مما يدعون إليه مهـم ن حجر تام على الغير في إستغلال مقيت رخيص للدين.....   

2)   التبعية لمصر:
يلتقي البعض السوداني مع الترابي في جزئية هامة أرى أنها تحسب له على مدى التاريخ .... وهذه الجزئية متعلقة بقدرة الترابي طوال الفترة من 1964م إلى تاريخ وفاته مارس 2016م في النأي بنفسه وبحزبه عن "التبعية" الفكرية والتنظيمية لحزب الإخوان المسلمين المصري...... أو خضوعة لأية إملاءات مصرية كتلك التي تخضع لها أحزاب سودانية طائفية وسياسية تقليدية أخرى.

لا بل ونحمد للترابي أنه حين أفلح في النأي بأفكاره ونفسه ، وحزبه عن التبعية لمصر . فإن هذا النأي لم يأتي مصادفة تاريخية .. وإنما جاء على واقع تخطيط محكم وسبق إصرار مبدع.
وإزاء ذلك فقد أبرز حسن الترابي جوانب إيجابية ودهاء مطبوع .

والشيء الذي لفت الإنتباه بقوة إلى نجاح الترابي في منحاه هذا .... الذي لفت الإنتباه هو إصرار محاوره أحمد منصور طوال الحلقات الست الماضية إلى إستجلاب الظلال المصرية إلى سماء حزب الترابي الإسلامي بوجه خاص ... ولكن دون جدوى.

وعلى الرغم من فقدان محاوره المصري أحمد منصور لتوازنه وخواره وتقافزه ؛ وإلتفافه ودورانه حول الفكرة ... إلا أن الترابي ظل على موقف ثابت من رفضه للفكرة .. وإصراره على تبرئة نفسه من تهمة التبعية لمصر .. أو مجرد الإحتفاء بالتجربة المصرية الإسلامية... وإنما ظل دأبه الدائم السخرية منها ؛ والحط من شأنها الفكري عند مقارنتها بالتجربة السودانية.

والطريف أن الترابي على العكس من معظم السودانيين ضيوف الساحات الإعلامية المصرية أو التي يمتلك زمام المحاور فيها مصري الجنسية .... فيميلون إلى مجاملة المصري على سبيل التفويت ولدواعي الحياء من المضيف .... فإن الترابي على العكس من هؤلاء أبدى قوة شكيمة وإحترافيـــة منقطعة النظير ؛ حين رفض أن يجامل مضيفه المصري أحمد منصور لجهة محاولة الأخير  توثيق جانب للتبعية إلى مصر.

ولا أدري هل سيتمكن تلاميذه من مواصلة نهجه لجهة المضي قدماً في تعميق التجربة الإسلامية بعيدا عن مزالق التبعية لمصر . وبما يكفل لهم الفخر بعذريتها عند المقارنة بالتجارب السودانية الحزبية والأطروحات الفكرية الأخرى .. أم أنهم سيقعون في الفخ ويضعون أقدامهم على أول الطريق المؤدي إلى الإفلاس الفكري والفناء والتلاشي..... أو التحول في أفضل الأحـوال إلى "بوابين" ؛ وخفراء مياه؟

ثم ؛...  هل سيتمكن تلاميذ الترابي من تطوير فكره إلى طرح وطني إسلامي ؛ بديلا عن إسلام سياسي يلهث خلف كراسي الحكم .. يجافي مكارم الأخلاق ... ويعنى فقط بالمسلك الذي يتوقف عند إرتداء الحجاب وإعفاء اللحى وحف الشوارب وتطبيق الحدود على الغير ؟

أكثر الظن أنهم لن يفلحوا ... وذلك لما أراهم عليه (بعيداً عن الترابي) من إنعدام للكاريزما .. وإنشغال عن الإنتاج الفكري والفلسفي بالتقرب إلى القصر الجمهوري ، وتسلق كراسي الوزارة والأوقاف والزكاة ....  والثرثرة الغير منتجة .. والإنشغال بالملذات والرفاهية وبذل الغالي والرخيص في سبيل ذلك تحصيلها والإحتفاظ بها ......

وللأسف يظل إفتقار فكر الترابي إلى جانب الأخلاق .. يظل الثغرة الأوسع في قماشته .... وحيث لا يعقل أن يستمر هذا الفكر في طرح إسلام بلا مسلمين يطبقونه على أنفسهم قبل غيرهم... أو كما قال الله عز وجل في سورة الصف :  [يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عن الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3)
أو كما قال أبو الأسود الدؤلي:[ لا تنهى عن خلق وتأتي بمثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم]

يزهو الترابي بتجربته الإسلامية لجهة عدم لجوء حزبه إلى ممارسة الإرهاب المسلح الممنهج الذي تمارسه جماعة الإخوان المسلمين المصرية . وما نجم عن هذا المنهج من إفلاس فكري للجماعة المصرية ؛ التي لاتزال تقف عاجزة عن تلبية حاجة هذا الشعب الفرعوني إلى أريحية تجذبه للصلاة  داخل فسطاط  عمرو بن العاص ... وشخصية مصرية يلين لذكورها وإناثها مذهب الإمام الشافعي ؛ ورغم أنف الشاعر المتنبيء .

حاول محاور الترابي في برنامج "شاهد على العصر" .. المصري أحمد منصور .. حاول قدر طاقته إستنباط وجوه ترضيه وتعالج فيه "عقدة التفوق" تجاه السوداني. فلجإ إلى توجيه سؤال للترابي في الحلقة السابعة يستفسر عما إذا كان هناك تنظيمات سرية تابعة للحزب أو أن هناك جهاز أمني للحزب .....

ولإستدراج الترابي نحو فخ توثيق فرضية التبعية  السودانية لمصر ... فقد أقحم أحمد منصور توثيقا مصورا لقائد التنظيم السري للإخوان المسلمين المصري الذي أسسه حسن البنا عام 1940م بزعم تحرير فلسطين ...
وكان ردة فعل الترابي أن تجاوز وترفع عن مجرد الإهتمام بهذا العرض والإستعراض الوثائقي الإخواني المصري. ولكنه أقر بوجود جهاز أمني للحزب واقتصاره على المتابعة وجلب المعلومات.
ونحن في السودان نستغرب في جماعة الإخوان المسلمين المصرية هذه الإحتفالية الحمقاء بما يسمى بالتنظيم السري.
ويثور التساؤل هنا ؛ لماذا يظل مبدأ الإغتيالات السياسية ؛ وممارسة الإرهاب في الشارع العام جزءاً من العقلية الإخوانية المصرية ؛ على الرغم من ثبات عدم إنتاجيتها . وأنها دائما ما تأتي عليهم بالشر الماحق في ظل قدرات الأجهزة الأمنية الإستثنائية للدولة المصرية.

حسن البنا
في عام 1940م أنشأ حسن البنا هذا التنظيم السري بزعم  مقاومة الإحتلال البريطاني وتحرير فلسطين ... ولكنه سرعان ما إنحرف عن أهدافه (الرومانسية) هذه . وتحول إلى محض تنظيم إرهابي متخصص في الإغتيالات السياسية وتصفية الخصوم والمنشقين... وتفجير القنابل داخل دور السينما والملاهي الليلية ... ومحطات القطار والتورماي.

نعم ؛ ...  أبرز حسن الترابي جوانب إيجابية ودهاء مطبوع ؛ حين تمكن على نحو ملحوظ من نشــل حزبه من التبعية الفكرية والتنظيمية لجماعة الإخوان المصرية عقب توليه منصب الأمانة العامة للحزب عام 1964م .
ولكن ربما كان على الترابي أن يقدم تفسيراً مقنعاً وكشف حساب محكم عن إتهامات لتلاميذه (على الأقل) بإرتكاب أو التخطيط لعمليات تصفيات جسدية للعديد من الشخصيات التي كانت تخشى جانبها أو تظن أنها تمتلك أسراراً لا ينبغي لها بها.

المطرب الراحل خوجلي عثمان
هناك قائمة من أمثال اللواء الزبير .. والعقيد إبراهيم شمس الدين .... وملازم أول مكتب والي الخرطوم الشاب ... وحتى المطرب خوجلي عثمان طيب الله ثراه.

كذلك يعيب المجتمع السوداني على شباب الإخوان في الجامعات خاصة مسارعتهم إلى حمل وقذف الطوب والحجارة ؛ والطعن بالمطاوي والخناجر ؛ والضرب السيخ والهراوات في تعاملهم مع غيرهم من زملائهم وزميلاتهم أصحاب الرأي الآخر ..... وبما يعزز الإنطباع بأنهم يفتقرون إلى قدرات النقاش والإقناع في ذات الوقت الذي يزعمون فيه بأنهم حملة القرآن العظيم وحماة الدين ... وعلى سنة وهدي أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم .... ونهج الخلفاء الراشدين!

3) إنتفاضة أبريل 1985م
عند الحديث عن إنتفاضة أبريل ؛ إعتدل الترابي في تقديره لذاته وحجمه ، وأهميته في الأحداث التي شهدتها اليلاد فيما ما عرف بإنتفاضة أبريل 1985م التي أدت إلى إسقاط جعفر نميري ، وزوال نظامه الشمولي السطحي المفتقر إلى الفكر ووضوح المنهج.


ولكن .. وكما يقولون فإن العرجاء إلى مراحها .... حيث لم ينسى الترابي نفسه وحظه من الدنيا ........ فقد جاء في جنايا إجابته أنه كان خلال فعاليات تلك الإنتفاضة حبيس سجون نميري .... ولكنه واصل فتباهـــى بأن نظام نميري قد سارع إلى نقله من سجن كوبر إلى سجن الأبيض خوفاً من قدراته في التأثير على الشارع.


وأغفل الترابي أن من بين أهم أسباب إنتفاضة أبريل 1985م ؛ إنما تأتي على وقع قوانين سبتمبر 1983م السيئة السمعة التي أصدرها نميري بعد إستشارته له. 

الثلاثاء، 31 مايو 2016

شهادة الترابي على العصر (حلقة 6)

شهادة الترابي على العصر
 
 
حلقة (6)
مصعب المشرّف
31 مايو 2016م

في الحلقة السادسة من شهادته على العصر . كان أهم ما جاء على لسان حسن الترابي يتمحور في الآتي:

1)  دخول الترابي وحزبه في بيت الطاعة المايوي وإنخراطهما في عضوية الإتحاد الإشتراكي .. وما تلا ذلك من تكليف الترابي بمناصب رفيعة في هذا الإتحاد وتسليمه حقائب وزارية  حساسة.
2)   قوانين سبتمبر 1983م.
3)      إعدام المهندس محمود علي طه مؤسس ورئيس الحزب الجمهوري بتهمة الردة.
4)      جريمـة تهريب الفلاشا إلى إسرائيل .....

إنخراط الترابي في عضوية الإتحاد الإشتراكي:
فيما يتعلق بإنخراط الترابي وحزبه في الإتحاد الإشتراكي . فقد أنكر الترابي مشاركته في فعاليات هذا التنظيم الشمولي .....
وبذل الترابي كذلك قصارى جهده لإقناع المشاهد والمستمع بأن تقلده لمناصب وزارية وتنظيمية في عهد الرئيس نميري . إنما كان صورياً ؛ وأنه حين كان مستشاراً لنميري لم تتم إستشارته بتاتا..............
ولكن الترابي دائما ما يقع في شر أعماله ويفضح أكاذيبه بنفسه ..... فقد عاد وطفق يؤكد أنه كان يجتمع بنميري (على إنفراد) وأن نميري كان يشكو إليه من فداحة مسئولية السلطة والحكم ويستشيره ... وأنه كان ينتقد قرارات نميري في تلك الجلسات التي تجمعه معه ويتحدث إليه حديث الأستاذ للتلميذ.

الطريف أن جعفر نميري لم يكن في يوم من الأيام تلميذا للترابي ... لا بل كان زميله في مدرسة حنتوب الثانوية . وكان يشاطره السكنى في  داخلية أبوعنجة ... وقد أكد النميري في أكثر من "ونسة خاصة" أنه كان يشمل الترابي بحمايته في الداخلية ؛ ويحول بينه وبين أطماع ومخالب الشواذ الجنسيين من بعض الطلاب (زوار منتصف الليل) ؛ الذين إشتهرت بهم داخليات المدارس على مختلف مراحلها منذ تكريس هذا النظام التعليمي الداخلي على عهد الإستعمار وإلى سنوات قريبة.
وقد كان لهذه الظاهرة التي جاءت ضمن إفرازات مدارس الداخليات الحكومية أن إنتشرت نماذج من المتدينين بالظاهر أو من أصطلح على وصفهم بـ "المولانات" في مرحلة الدراسة الوسطى والثانوية خاصة .... حيث كان كل من يخاف على نفسه من "زوار منتصف الليل" يسارع إلى الإنخراط في جماعة الإخوان المسلمين . فيحمل لقب "مولانا" ويدخل في مظلة حمايتهم دون أن يكون مقتنعاً في دواخله.
وكان لهذا المنحى أثره لاحقا حين ترتب على ذلك صعود شخصيات قدمت نفسها نماذج تدعي التدين والورع .. لا تحفظ القرآن الكريم ؛ ولا تشغل نفسها بالسيرة والسنة النبوية الشريفة ...... ترفع رايات الاسلام في الظاهر .. تصلي وتصوم كما يفعل الناس تعفي اللحى وتحف الشوارب .... تلوح بأصبع السبابة تهتف هي لله هي لله ... ولكنها في دواخلها وسرائرها حاقدة موتورة متعفنة  .....
ومنهم من إلتحق بالمرحلة الجامعية قادما من الأرياف ؛ فإصطدم بمجتمع الخرطوم وزغللت عينيه أضواء النيون (حين كانت في الخرطوم كهرباء) .. ومنهم من   كان يعاني من الدمامة أو عدم الثقة في الجنس الآخر ؛ والميل إلى إحتقاره لسبب إقتصاره على المحرض الجنسي فيه .
وحين إقترب من هذا الجنس الآخر  في الحرم الجامعي والجلسات الطلابية تحت الأشجار ؛ لم يتمكن من إحتمال بوادر الرفض . فوجد في إدعاء التدين الملاذ لإستعادة الكرامة والظهور بمظهر المستغني ...... ولسان حاله يردد (بيدي لا بيد عمرو).
وما أسهل (إدعاء) التدين ... فما على الذكر سوى إعفاء اللحية وحف الشارب وتعديل مظهرة الخارجي 1400 عام إلى الوراء ً .. أو إرتداء الحجاب إذا كانت أنثى ؛ ثم الإحتجاج على (الأخر) بتكفيره وعلى (الأخرى) بسقوطها الجنسي ... ويا بلاش..

وقد شهدت البلاد خلال فترة سيطرة جنود وغلمان الترابي على السلطة ؛ وتمتعهم بالنفوذ المطلق أن تفشى الفساد الأخلاقي في كل جانب ؛ وظاهرة سرقة المال العام على نحو غير مسبوق .  والتدني والإنحطاط الملحوظ في القناعات والقيم ؛ والحجر على ميادين الفكر والأدب والثقافة والفنون ..... فحدثت فجوة واسعة إنقطع فيها التواصل الحضاري الطبيعي التدريجي بين أجيال الماضي والحاضر على هذا النحو الذي تبدى اليوم في كل شيء من منتجات فكرية وفنية وثقافية.    
.........................
تملص الساسة والتكنوقراط من جعفر نميري:
من العبث بمكان أن يتعامل كثير من الساسة وأهل الفكر مع الأنظمة الشمولية التي إنخرطوا فيها وقدموا لها خدماتهم .... من العبث أن يتعامل هؤلاء مع تلك الأنظمة بعد فصلهم منها على طريقة النساء في وصف أزواجهن بعد الطلاق ....
ونستغرب هنا أن ينحى الترابي وغيره في تورطهم مع جعفر نميري ونظامه الشمولي أن ينحى هؤلاء منحى المرأة الغجرية تجاه زوجها المفلس بعد طلاقه لها ؛ فتتباهى بأنها لم تـحـبـل منه.

وإذا كانت الصحافة الورقية وأجهزة الإعلام المتاحة في الماضي قد حالت ولا تزال دون الشفافية وحرية التعبير . وتحجم عن نشر الحقائق والتوثيق الصادق ... فإن على أمثال هؤلاء من الساسة والتكنوقراط أن يدركوا أن اليوم ليس كالبارحة ... وأن  الغد سيكون أكثر شفافية ؛ بعد أن وجدت الأقلام المحجورة ، والأفكار والآراء والحقائق المجردة متاعها وسراحها وتنفسها في وسائط المعلوماتية الحرة الرائجة على مدار الساعة.
..............................
حين أقدم نميري على إصدار قوانين سبتمبر 1983م سيئة السمعة .. فهو لم يفعل ذلك إلا بعد أن أقنعه الترابي بإصدارها ..
وكان لهذه التجربة الكسيحة آثار وخيمة لا يزال المجتمع السوداني يعاني منها بما لا يخفى على أحد . وقد كان من أبرز سلبياتها أن فقد السودان مكانته كدولة ذات مصداقية . وعانى فيه الفقراء وحدهم من المطاردة وتنفيذ الأحكام .

وكان من ضمن آثار تطبيق قوانين سبتمبر 1983م إندلاع التمرد مرة أخرى في جنوب السودان السابق . وامتدت حرائقه فيما بعد إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق . وأضر ضرراً بالغاً بمسيرة الإقتصاد وقدرات البلاد على النمو وتوفير أدنى متطلبات الحياة من تعليم وطاقة وماء وخدمات صحية وتعليمية ..... إلخ.
.....................................
تخـاصم أهـل النــار:
ويأتي الترابي إلى حادثة الحكم بإعدام المهندس محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري . فيزعم أن نمبري هو الذي أصر على تنفيذ هذا الحكم بسبب أن محمود محمد طه قد عارض قرارات سبتمبر 1983م .
الترابي لا يستطيع إنكار مسئوليته وحزبه في مطاردة محمود محمد طه ؛ وتجريمه وتكفيره منذ فترة الديمقراطية الثانية .

أسس محمود طه حزبه السياسي في أكتوبر 1945 .... ولكنه بدأ ينشر ويجاهر بأفكار وآراء عن العبادات الإسلامية أثارت عليه الكثير من العداءات . وكان على رأس هذه الآراء زعمه أنه يؤدي الصلاة أصالة في علاقة مباشرة مع الله ؛ وليس تقليداً للصلاة التي يصليها رسول الله صلى الله عليه وسلم..

أبرز جوانب الخطأ في قناعات محمود محمد طه أننا لا نـقـلـد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف الخلق المصطفى المعصوم الصادق المصدوق المشفع .... فهو أرفع مقاما من التقليد  وتعجز قدرات البشر العادية ودرجاتهم الإيمانية مهما سمت عن تقليده صلى الله عليه وسلم .... ولكنها الطـاعــة والحــب والإقتداء والإتبــاع بقلوب ضارعة إلى الله عز وجل.

وأغلب الظن أن محمود محمد طه قد اختلط عليه الأمر مابين إمكان أن يكون العبد  مستغرقا في صيانته لعلاقته الفردية بالله عز وجل بصلاة دائمة غير مفروضة (أو بما يتعارف عليه بالخلوة في الجلوة .. والخلوة في الإنكفاف )  ...... وبين أن يـظــل العبد مطالب خلال ذلك وفي كافة الأحوال بأداء الصلوات الخمس المفروضة في مواقيتها على النحو الذي أداهــا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم... وعزز ذلك بقوله [صلوا كما رأيتموني أصلي] .. وكفى .

وبناء على توجهات محمود محمد طه  تلك ؛ فقد تقدم مواطنون ببلاغ ضده . فأدين وحكم عليه بالردة في فبرايرعام 1968م .  ولكن لم يصدر بحقه إعدام . وإنما أمر باالتوبة عن جميع الأقوال والأفعال التي أدت إلى ذلك ؛ بحسب ما جاء في نص الحكم الصادر بحقه.

بمعنى آخر فإن محمود محمد طه قد أعيدت محاكمته في 1985م بنفس التهمة التي صدر بحقه حكم قضائي فيها . في الوقت الذي إمتدت المدة ما بين المحاكمتين (16 عام) . وأصبح من السخرية إدانة متهم في موضوع واحد مرتين.

على أية حال فقد كان الترابي وجنوده هم الذين ضغطوا في إتجاه إعدام محمود محمد طه في يناير 1985م .. وأن نميري قد أخطأ في الإنقياد لهم لسبب يتعلق بجهله وتخبطه في تلك الفترة .. وحيث لايستقيم إعدام شخص مدني لمجرد أنه إعترض بالرأي على قرارات سبتمبر 1983م دون أن يعلن حالة عصيان أو يحمل سلاح... أو بمعنى أن إتهام الترابي نميري بأنه هو الذي سعى إلى إعدام محمود طه إنما يجيء لغرض التملص من المسئولية التاريخية لا غير.

والمفارقة أنه تم إصدار حكم آخر في عام 1986م ببطلان حكم الردة الصادر في حق محمود محمد طه والحكم الصادر بإعدامه شنقا ....

لم تكن مجريات محاكمة يناير 1985م عادلة على النحو المفترض . فقد كانت سريعة سطحية  .. ولم يتم الإستعانة بعلماء دين من خريجي مؤسسات إسلامية ؛ يناقشونه على أقل تقدير ويفندون له مزاعمه على الملأ ....


محمود محمد طه
كان واضحاً أن محمود محمد طه قد كان مسـتـهدفــاً .... وأن قرار إعدامه قد صدر سلفاً خارج قاعة المحكمة .. وأن الترابي إنما كان يظن أنه بذلك سيحظى لتياره (الإسلامي السياسي) بالمزيد من الأتباع .. وأنه سيبث الرعب في قلوب خصومه .... ولكن جاء الأمر على عكس ما يشتهيه.

وخلال هذه الحلقة السادسة من شهادته على العصر تعدى الترابي باللفظ والسخرية من محمود محمد طه وطال تعديه أسرته .. فوصفه كذبا أنه كان يعمل "مسـاحـاً" .. وأن أسرته كانت مشعوذة ومخبولة .. وكل ذلك التعدي كان يتدفق من لسان وفم الترابي على طريقته المعهودة في الضحك وإصدار الشخـير أثناء الكلام. وبما يزيد من نفور المشاهد والسامع.
فإذا كان الترابي (كما يدعي) لا يحمل في دواخله وأجندته عداءاً للمهندس محمود محمد طه  ؛ فلماذا يسخر منه على هذا النحو الشخصي الصادر من لسان  مسموم؟

وقد كان الرأي العام الذي تمخض عن هذه المحاكمة هو تعزيز الإنطباع أن جعفر نميري قد طاش عقله ... وأنه قد تـفـرعــن ، وأصبح يجمع حوله السحرة والحـواة والمشعوذين ومدعي الورع ؛ ومحاطاً براميات الودع ، وقارئات الفنجان .... ثم وجماعة متأسلمة تستخــف قـومهــا بإسم الديـن ... وتضع كراسي الحكم نصب أعينها ؛ وتستسهل التعذيب وإلحاق الأذى ؛ وسفك الدماء وإراقتها ... وقتل الأنفس بلا حق في سبيل الوصول إلى هذه الكراسي . والبقاء فيها دون إكتراث بغضب الله وإنتقامه في الدنيا ثم سؤال القبر وعذابه .... ثم سؤال وعذاب الآخرة وما أدراك ما عـــذاب  الآخرة.
.............................
جريمة تهريب الفلاشا إلى إسرائيل:
لم يظهر الترابي إهتماما كثيراً بالإجابة على سؤال لمحاوره عن مقدار علمه بجريمة تهريب الفلاشا إلى إسرائيل ....
والشاهد أن الترابي إن كان صادقاً في قوله أنه لم يشارك في هذه الجريمة. إلا أنه لا يستطيع الإدعاء بعدم علمه بها أو بتفاصيلها ... وذلك في الوقت الذي سمعنا فيه نحن المواطنون العاديون بها في حينها . وأن هناك عمليات إستيعاب ونقل مشبوهة تتم في هذا الإطار بعلم وأوامر من جعفر نميري ؛ تحت إشراف نائبه ورئيس جهاز الأمن القومي اللواء عمر محمد الطيب.
ولكن المثير للتساؤل هو إدعاء الترابي بأن المتورطين في هذه الجريمة قد حوكموا ونالوا جزاءهم ..  ولكن الواقع لا يشير إلى ذلك على النحو الذي إختصره الترابي .
لا بل على العكس من ذلك فقد منحت لهم مفاصل الديمقراطية الثالثة المائعــة .... منحتهم العفو فغادروا البلاد يستمتعون بما قبضوا من رشاوي وعمولات ومكافآت بملايين الدولارات ؛ دون أن تدمع لهم عين عن تلطيخهم لسمعة السودان .... أو حين يشاهدون جنود إسرائيل الفلاشا يفتكون بالمسلمين في غزة والقدس والضفة الغربية.... لا بل ويتبجحون كعادة اللصوص في تبريرهم لجرائمهم ودناءة أخلاقهم بالقول : "لو لم نفعلها نحن لكان قد فعلها غيرنا".


اللواء عمر محمد الطيب
وبالطبع فما كان لهؤلاء وعلى رأسهم اللواء عمر محمد الطيب الذي تمت إدانته والحكم عليه بالمؤبد ؛ أن يجد طريقه سالكا محفوفا بالورود والرياحين طليقا خارج السجن والبلاد لولا أنه قد أفلح في رشوة العديد من المسئولين في الديمقراطية الثالثة ؛ الذين جاءوا عطشى وجوعى من المنافي إلى كراسي الحكم. ......

في كتاب (أشهر المحاكمات السياسية في السودان) من إعداد وتقديم المحامي السوداني الراحل هنري رياض . فقد جاء الآتي تحت عنوان محاكمة ترحيل اليهود الفلاشا – عمر محمد الطيب وآخرين. على رأسهمها العقيدان في جهاز الأمن القومي المنحل الفاتح عروة ، و موسى إسماعيل:
ونظراً للسرية التامة التي صاحبت تنفيذ تلك الجريمة . فقد وافق النائب العام على منح العفو للضباط الأربعة الذين أشرفوا على التنفيذ المباشر ؛ شريطة التحول إلى شهود إتهام (شهود ملك). وكان على رأسهما العقيدان / موسى إسماعيل و الفاتح عروة.

جريمة تهريب الفلاشا الثانية الرئيسية:-
وبحسب ما جاء على لسان ممثل الإتهام . فقد تلخصت الواقعة في الآتي:
في أوائل أكتوبر 1983م أمر المتهم (عمر محمد الطيب) شاهدي الإتهام  الأول والثاني
 العقيدان في الجهاز حينذاك (موسى إسماعيل و الفاتح عروة) بالإشراف على تنفيذ خطة رسمت في السفارة الأمريكية بواسطة المدعو جيري ويفر الذي كان يوصف بأنه مسئول اللاجئين في السفارة .
وتهدف الخطة إلى ترحيل ما بين تسعة وعشرة آلاف من اليهود الفلاشا من معسكر تواوا للاجئين بالإقليم الشرقي إلى الخرطوم بواسطة أربعة باصات . دفع جيري ويفر مبلغ إثنين وثلاثين جنيه نقدا أجرة إستعمالها ريثما يتم تجهيز أربعة باصات جديدة استوردها الأمريكان خصيصاً لهذا الغرض . ومن الخرطوم يغادر اليهود السودان عن طريق الجو . وقد تكفل جيري ويفر هذا بتوفير أدوات الإتصال اللاسلكي والقيام بجميع النفقات الأخرى اللازمة لتنفيذ خطة الترحيل . وفي هذا الإطار دفع ستة آلاف جنيه إيجار لمنزل في القضارف كما إستأجر محزنا وضعت فيه ثلاثمائة برميل جازولين.
وجه المتهم عمر محمد الطيب العقيدين (موسى إسماعيل و الفاتح عروة) بوجوب تنفيذ الخطة الأمريكية بحذافيرها مؤكداً طبيعة المهمة السرية ومشددا على ضرورة الإقتصار على أعضاء الجهاز فقط في التنفيذ بمن في ذلك سائقو الباصات التجارية المستأجرة ؛ شريطة أن لا تدخل الباصات الخرطوم قبل منتصف الليل . وأن لا تهبط الطائرات إلا بعد منتصف الليل ، وأن يتم تحميلها فور وصولها باليهود ؛ وأن يتم ذلك في مكان يقع في أقصى جنوب مطار الخرطوم دون أية إجراءات جوازات أو صحة أو جمارك أو خلافه .
ومبالغة في الإحتياط أمر المتهم العقيدين بالإتصال به مشافهة فقط فيما يتعلق بالعملية . وعدم الكتابة إليه إلا في حالة الضرورة القصوى . وحتى عندئذٍ عليهما الإشارة إلى العملية بإسم (الشرق) كشيفرة.
سارت عمليات الترحيل حسب الخطة الموضوعة . وكان المدعو جيري ويفر يشرف عليها ويتابعها شخصيا من مطار الخرطوم بعد أن كان قد أشرف على الترتيبات في القضارف . ثم صحب أول قافلة تحركت من هناك في 21 نوفمبر 1984م . وتولت النقل الجوي شركة طيران بلجيكية يسمونها ( Trans European Airway) قامت بثمان وعشرين سفرية على مدى خمس وأربعين ليلة ؛ نقلت فيها 6150 يهودي . 
 
 
وكانت اللطائرات تهبط ليلة وتغيب ليلة ، ولكنها صارت تهبط وتقلع بعد منتصف كل ليلة بناء على إلحاح جيري ويفر . وبناء على أوامر أمن الدولة إلى سلطات مطار الخرطوم . ولم تدون في سجل حركة الطائرات أية معلومات عن نوعية الطائرات ولا مالكها ولا وكيلها بالخرطوم . ولا البلد الذي أتت منه ولا المكان الذي سافرت إليه . كذلك لم تدون الشركة الناقلة في سجل تحركات الطائرات أية معلومات عن نوعية طائراتها أو الركاب سواء كانوا عابرين أو نازلين أو راكبين . ولا أية تفاصيل عما تحمله من أمتعة أو بريد ؛ ولا شيء عن مواعيد هبوطها أو إقلاعها . بل أن وكيل الشركة لم يوقع على هذا الدفتر بتاتاً كما كان المفروض. كما كان جنود أمن الدولة يضربون سياجاً مسلحاً حول الطائرات منذ لحظة هبوطها وحتى لحظة إقلاعها لمنع كائن من كان من الإقتراب منها أو ملاحظة ما يجري فيها . ولولا أن قسم المراقبة الجوية بالمطار يحتفظ بسجلاته الخاصة المتعلقة بحركة الطائرات في المطار لما ظهر أي أثر في سجلات المطار لمجرد هبوط تلك الطائرات الثماني والعشرين في أرض المطار.
ليلة 4 – 5 يناير 1985م غادرت مطار الخرطوم الرحلة الثامنة والعشرون . وفي تلك الليلة حدث ما لم يكن بالحسبان فقد أذاعت محطة لندن (بي بي سي) في نشرتها الأخبارية المسائية تفاصيل دقيقة عن عملية الشرق . وأكدت أن اليهود قد وصلوا إلى إسرائيل  من السودان عبر جسر جوي مباشر . فكان أن توقفت بقية السفريات المزمعة نتيجة إفتضاح العملية.

في 4 مارس 1985م حضر جورج بوش نائب الرئيس الأمريكي (آنذاك) إلى السودان . وكان المتهم الأول (اللواء عمر محمد الطيب) هو مضيفه الرسمي . وأثناء تلك الزيارة حصل بوش على موافقة السلطات السودانية على إستئناف ترحيل اليهود الأثيوبيين بطائرات أمريكية هذه المرة.

في 18 مارس 1985م سافر المتهم (اللواء عمر محمد الطيب) إلى الولايات المتحدة بطائرة عسكرية أمريكية خاصة . وصحبه في نفس الطائرة ميلتون بيردن رئيس وكالة الإستخبارات الأمريكية (CIA) في السودان . وفي واشنطون إجتمع المتهم بضباط من سلاح الطيران الأمريكي . وخلال عشر دقائق وافق المتهم على مخططهم القاضي بإرسال  طائرات غير عسكرية إلى العزازة بالقضارف مباشرة لتقل اليهود من السودان.

عاد المتهم (اللواء عمر محمد الطيب) إلى السودان في 20 مارس 1985م . وخابر القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع بأن هناك طائرات أمريكية ستهبط في العزازة بالقضارف تحمل مؤنا للاجئين . طالبا منه عدم تعرض أسلحة الدفاع الجوي لتلك الطائرات . وأمر شاهد الإتهام الثاني (الفاتح عروة) بالإشراف على العملية . وحضر فنيون أمريكان هيأوا وسائل الإتصال .
وفي 22 مارس 1985م هبطت في العزازة ست طائرات نقل عسكرية أمريكية ، نزلت منها حوالي فصيلة من جنود البحرية الأمريكية المسلحين تولوا تأمين المطار ريثما ركب في الطائرات حوالي 450 من الفلاشا وأقلعت بهم إلى غاية مجهولة.

كانت الحصيلة من الجريمتين (الفلاشا الأولى والثانية) هو تهريب 25,000 لاجيء من يهود الفلاشا إلى إسرائيل وغيرها من الدول الأوروبية الأخرى ....

وقد صدر الحكم في هذه الدعوى بإدانة اللواء عمر محمد الطيب والحكم عليه بالمؤبد ومصادرة   
.....................
جريمة تهريب الفلاشا الأولى:
تمت هذه الجريمة في ظروف غامضة دون أن يتم الكشف عن المتورطين فيها من الجانب الرسمي السوداني .. ولا يعرف عدد الفلاشا الذين تمكن تهريبهم إلى إسرائيل خلالها ....
وتشير التحريات في هذا الجانب إلى أن اليهود الأثيوبيين المعروفين بالفلاشا وموطنهم منطقة قوندار في أثيوبيا بدأوا هجرة منظمة إلى إسرائيل . وأن حماعات منهم تسللت إلى السودان ثم غادرته خفية عن طريق الخرطوم - جوبا – نيروبي . وعن طريق مجموعة غامضة من الأوربيين كانت تستأجر قرية عروس السياحية على البحر الأحمر شمال بورتسودان كما سافرت مجموعات أخرى بطائرات كانت تهبط ليلاً في مطار كارثانو المهجور بالقرب من أركويت وفي منطقة المحرقات بالقرب من الشوك . هذا فضلا عن أعداد غادرت السودان علنا تحت ستار برنامج إعادة توطين اللاجئين الذي يشرف عليه معتمد شؤون اللاجئين بالسودان.
كان جهاز الأمن القومي السوداني قد تلقى تنبيها من جهاز الأمن الأثيوبي في مايو عام 1980م بأن هناك عمليات ترحيل مشبوهة لليهود الفلاشا من أثيوبيا إلى إسرائيل عبر السودان وأثينا تديرها شبكة على إرتباط بالموساد (جهاز الإستخبارات الإسرائيلي).
وقد تنبهت أجهزة الأمن السودانية إلى واقع عمليات الترحيل هذه عام 1981م .. وفي عام 1983م تم إعتقال مواطنين أمريكيين في جوبا.

حصيلة العملية:
 كانت الحصيلة من الجريمتين (الفلاشا الأولى والثانية) هو تهريب 25,000 لاجيء من يهود الفلاشا إلى إسرائيل وكندا وبعض الدول الأوروبية الأخرى ....

أتعــاب اللواء عمر محمد الطيب:
منحت الولايات المتحدة مبلغ 2 مليون دولار إلى اللواء عمر محمد الطيب كمكافأة تم إيداعها في بنك أوروبي ..... في حين رفض شهود الإتهام الإعتراف بحصولهم على أتعاب أو الإفصاح عن المبالغ التي منحت لهم كمكافآت . وكاد ذلك أن يعصف بقرار العفو عنهم اعلى شرط تحولهم إلى شهود مـلــك.

وقد صدر الحكم في هذه الدعوى بإدانة اللواء عمر محمد الطيب ؛ والحكم عليه بالمؤبد ومصادرة أمواله ..... وذلك بحسب التفصيل التالي:
الحكم:
حكمت المحكمة على المتهم : عمر محمد الطيب بالآتي:
1-   السجن المؤبد لمخالفة المادة 97 عقوبات.
2-   السجن المؤبد لمخالفة المادة 96 عقوبات.
3-   لمخالفة المادة 6 من قانون مكافحة الثراء الحرام.
أ‌)      السجن لمدة ثلاث سنوات.
ب‌) الغرامة أربعة وعشرين مليون ومائة وعشرين ألف جنيه (6 مليون وثلاثين ألف دولار أمريكي وقتها)  . وفي حالة عدم الدفع يسجن لمدة أربع عشر سنة.
أمر: تحصل الغرامة عن طريق المادة 249 من قانون الإجراءات الجنائية بالإستيلاء على منقولات المتهم وعقاراته وبيعها.
4-   لمخالفة المادة 70 من قانون الطيران لسنة 1960م مقرونة بالمادة 85 عقوبات لسنة 1982م.
أ‌)      السجن لمدة سنة.
ب‌)  الغرامة مبلغ واحد ألف جنيه . وفي حالة العدم يحبس سنة أخرى.
5-  لمخالفة المادة 42 (2) من قانون جوازات السفر والهجرة لسنة 1960م مقروءة مع المادة 84 من قانون العقوبات.
أ‌)      السجن لمدة ستة أشهر.
ب‌)  الغرامة مائة جنيه وفي حالة العدم يحبس ستة أشهر أخرى.
أوامر أخرى:
1-   يصادر مبلغ المائة وخمسين ألف دولار المعروضة.
2-   تصادر الباصات الأربعة المعروضة واللوري وسيارة اللاند كروزر.
3-   تسلم نماذج البناء المعروضة وحهاز اللاسلكي إلى جهاز الأمن.
4-   معروضات الإتهام ( 1 و 2) تسلم إلى مصلحة الطيران المدني .

التوقيع:
عبد الرحمن عبده عبد الرحمن – قاضي المحكمة العليا ، رئيس المحكمة.
حسين عوض أبو القاسم – قاضي محكمة الإستئناف ، عضو المحكمة
التاريخ: الخامس من أبريل 1985م.
...........................
الحكم لمخالفة المادة (7) من قانون مقاطعة إسرائيل.
1-   السجن لمدة خمس سنوات.
2-   تصادر الباصات الأربعة المعروضة واللوري وسيارتي اللاند كرزر وجهاز اللاسلكي.
 التوقيع:
عبد الرحمن عبده عبد الرحمن – قاضي المحكمة العليا ، رئيس المحكمة.
حسين عوض أبو القاسم – قاضي محكمة الإستئناف ، عضو المحكمة
التاريخ: الخامس عشــر من أبريل 1985م.



وبالطبع لم يتم من ذلك شيء .. وإستطاع عمر محمد الطيب الإفلات ومغادرة السودان . ولم يتم توثيق مكان إقامته إلا بعد سنوات حيث سافر إليه المذيع عمر الجزلي في مدينة جدة بالسعودية وأجرى معه عدة لقاءات في برنامجه التلفزيوني  (أسماء في حياتنا).......

المذيع عمـر الجـزلي - 
ويا لسخرية الأقدار حين قدم عمر الجزلي لمضيفه اللواء عمر الطيب بالقول:
[ على إمتداد التاريخ الإنساني .. تلمع أنوار تأبى أن تخبو ... لأنها لمعت على الإنسانية بأبهى الأضواء . فبددت أشجانها ومست أجفانها بأحلام ساحرة . وهدهدت نفوسها بأنغام آسرة . ثم مضى منها من مضى من عالم الأجسام الزائل . لكن صداها خالد على الأيام والأحداث التي تمضي ثم تنسى . ومثلما تنبت هذه الأرض المعطاءة الأزاهير من بين الأشواك . فإن ذات الأرض الحبيبة الطيبة قد أنجبت أفذاذاً متفردين . رجالاً ونساء صنعوا وصاغوا تاريخنا السياسي والفكري والأدبي والفني . فخلدت أسماؤهم وصاروا أسماء في حياتنا] .

ألا يستحي عمر الجزلي من ترديد مثل هذه المقدمة في حق شخص هانت عليه بلاده وعروبته وإسلامه ؟
ألا يستحي عمر الجزلي هنا من محاولته إستغفالنا وإستهبالنا؟
أم أن المسألة كلام في كلام .. ومحاولة فاشلة ساذجة لتلميع أناس خانوا بلادهم .. أدينوا وحكم عليه بالمؤبد في دعاوى أضرت بأمن البلاد القومي . ولطخت سمعته التي صنعها على مدار التاريخ وسط أفريقيا والعالم أجمع ........ ولعلهم أصبحوا فضائح وعاهات وأوساخ في حياتنا.

 مصعب المشـرّف
31 مايو 2016م 
             
مراجع : كتاب [ أشهر المحاكمات السياسية في السودان ] – إعداد وترتيب المحامي السوداني "هنري رياض" – الطبعة الأولى 1987م – دار الجيل – بيروت).