‏إظهار الرسائل ذات التسميات علم السودان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علم السودان. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2014

عـودة علم الإستقلال أصبحت ضرورة (الجزء الثاني)

عـودة علم الإستقلال أصبحت ضرورة

(الجزء الثاني)
مصعب المشرّف
30 ديسمبر 2014م

علم السودان الأصلي - (علم الإستقلال)
ملخص الجزء الأول:
تم التطرق في الجزء الأول إلى الأسباب النفسية والسياسية التي دفعت وأغرت الرئيس الأسبق جعفر نميري للمضي قدما في تغيير علم الإستقلال ، وإستبداله بما يعرف بعلم الثورة العربية الكبرى .. وقد تناول الحديث جوانب أساسية من مدلولات ومزايا وخصوصية علم الإستقلال بألوانه الثلاث الأزرق والأصفر والأخضر.
................
في هذا الجزء الثاني نتطرق برؤوس أقلام إلى الآتي:
1)   مدلولات علم الثورة العربية الكبرى.
2)      مدى ملاءمة ألوان علم الثورة العربية الكبرى للواقع السوداني القديم والحديث.... ومدى تماشيه مع المعاني والمأثور الإسلامي,
3)      الخطأ الماثل في تهميش اللون الأخضر.
..............
بدايةً ؛ وقبل تفنيد مدلولات علم نميري المعمول به حتى اليوم ، وهو العلم الذي جاء نسخة مقلدة من علم الثورة العربية الكبرى ، مع تعديل إعتباطي في ترتيب الألوان .... فإن الذي يجب الإشارة إليه وتوثيقه هنا أن الثورة العربية ضد الأتراك في الحجاز التي قادها الشريف حسين (شريف مكة)  ؛ وحين إبتكرت هذه الثورة هذا العلم إنما استوحت ألوانه من بيت في قصيدة للشاعر صفي الدين الحلي ؛ يقول البيت:
[بـيـضٌ صنائعنا حُـمْــرٌ مواضينا   .....   خُضـرٌ مرابعنا سُــودٌ وقائعنا]
وقد جاء هذا البيت ضمن قصيدة للشاعر ؛ يقول مطلعها "سَلِي الرماح العوالي عن معالينا".
هذه القصيدة جادت بها قريحة الشاعر صفي الدين الحلي (1276 – 1349م ) لبعث الهمم في النفوس العربية المهيضة الجناح جراء الغزو المغولي البوذي بقيادة هولاكو .. علماً بأن الشاعر الحِلِّي وُلِدَ ونشأ في بغداد خلال الفترة التي كان فيها الإحتلال المغولي في أوجه عقب سقوط وتدمير بغداد والخلافة العباسية سنة 1258م.

هـــــولاكــــو
وعند التطرق لشرح وتحليل معاني ومقاصد هذا البيت . يتضح لنا أنه لاعلاقة له بالبيئة السودانية بتعدد ألوان طيفها سواء العربية أو الحامية والأفريقية .
وأن معاني مقاصد هذا البيت من الشعر لاعلاقة له بتلك التفسيرات التي حاولت ماكينة تلميع (الزعيم) نميري نسج خيوطها..

خذ مثلاً معاني الكلمات الآتية في هذا البيت:

بيض صنائعنا : تعني أننا أصحاب يد بيضاء على غيرنا ..... والصنيعة هي كل ما ارتبط ببذل معروف منحته وقدمته للغير .. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء".

حُمْرٌ مَواضِينا: مواضينا بمعنى عزائمنا .. والعزم هو المضي في الأمر بغير مبالاة بالمعاتبة . وكذلك القدرة على إتخاذ القرار بشجاعة ... وفي الوصف لشخص يقولون عنه "صاحب عزيمة ماضية" . وفي معنى ذلك قوله عز وجل : "فإن عزمت فتوكل على الله" .... وتعداده صلى الله عليه وسلم لـ "ذوي العزم من الرسل" .

خُضرٌ مَرابعنا: المَرْبَعُ هو الموضع الذي تقيم فيه القبيلة زمن الربيع خاصة .... وهو أفضل المواضع لدى العرب ولا يناله سوى الأقوياء . والمعنى الذي أراده الشاعر هنا  مقتبس من قول عمرو بن كلثوم في معلقته : ونشرب إن وردنا الماء صفواً ..... ويشرب غيرنا كدراً وطينا.

سودٌ مواقعنا: الوقائع هي الوقعة ، والوقيعة . وهي الحرب والقتال . وقيل المعركة.


ولكن عند النظر إلى التفسيرات التي ساقها سدنة نظام مايو البائد لمدلولات هذا العلم . نرصد المضحك المبكي الآتي:
تم نفسير اللون الأحمر (رسمياً) بأنه يرمز ل\ماء شهدتء الوطن إبتداء من واقعة أمدرمان المعروفة في السودان بمعركة كرري ، التي أدت إلى انتهاء حكم المهدية الوطني . واستشهد فيها حوالي 50 ألف مجاهد. يضاف إليهم شهداء مقاومة الإستعمار وشهداء القوات المسلحة.

والسؤال الذي يطرح نفسه أولاً هنا هو : هل بدأ السودان وتاريخ السودان  بمعركة كرري وانتهى بلإنقلاب مايو 1969م أم ماذا؟

أين نحن من نبتة ومروي وسوبا ، والسلطنة الزرقاء وسلطنة دارفور ، وممالك جبال النوبة ، وفازوغلي ْ؟ ........ لا بل وأين دور نادي الخريجين الذي أفرخ الأحزاب السياسية القومية وأفضى إلى إعلان الإستقلال رسمياً في يناير 1956م؟

سدنة نظام مايو البائد لا يجهلون حتماً هذا الواقع من تاريخ البلاد .. ولكنهم يرغبون  ذر الرماد في العيون ...


الملك بعنخي

إنهم لجهة تعدّد الرموز السودانية من بعانخي إلى الأزهري . يعلمون أن جعفر نميري سيستحيل وسطهم إلى أقل من قزم .. ولامكان له من الإعراب بين هؤلاء الرموز العمالقة من قادة الأنظمة السياسية الناجحة على مدار تاريخ البلاد العريض .
وبالتالي جاءت إستراتيجية تلميع جعفر نميري ونظام مايو بوضعه على كفة ميزان يقابله في الكفة الأخرى الخليفة عبد الله التعايشي ونظامه الشمولي الفاشل .. وبذلك يقفز نميري ونظامه السياسي فوق عقبات المقارنة مع أنظمة سياسية ليس أقلها الديمقراطيات التي سبقته.


الخليفة عبد الله التعايشي

وكان التركيز على الهزيمة في معركة كرري . وتحليل أسباب نتائجها السلبية وتضخيمها وإبرازها هو الهمّ الأكبر ، والشغل الشاغل للآلة الدعائية التي أشرف عليها تكنوقراط عهد مايو .. وقامت الدولة بتمويل تأليف وإصدار وتوزيع وبيع أكثر من كتاب يدير الأعناق . ويحصر المقارنة بين نظام الخليفة التعايشي ونظام جعفر نميري دون سواهما.... فيعفي ذلك نميري من مغبة الوقوف تحت قامات العمالقة من بعنخي إلى الأزهري.

بوستر مسرحية الـــــزعـــــيم

والمثير للسخرية أنه بعد كل هذه المحاولات الدائرية والمعالجات البائسة الملتوية لتلميع "زعيم أوحد" .. و "قائد ملهم" و "حزب شمولي أوحد" في الساحة عبر الزج بالخليفة التعايشي لمقارنته به . رأينا كيف أن جعفر نميري  شرع ينحرف بســوء ؛ ويهيم على وجهه عن مساره القومي والوطني ؛ حتى إنتهى به المطاف "مقاول أنفار" ....  وصاحب "وكالة توريد أيدي عاملة" ... ووسيطاً "بالعمولة" لتهريب اليهود الفلاشا إلى إسرائيل ....

على أية حال ؛ فإنه لايمكن الثقة في نوايا جعفر نميري وسدنة نظامه تجاه المهدية . ويشهد التاريخ أنه فعل بهم ما لم يفعله ونجت باشا وسلاطين .. ولأجل ذلك نستغرب أن يدفع هذا النظام بمزاعم ومقولات عن مدى إرتباط اللون الأحمر في العلم بمعركة كرري وشهداء هذه المعركة.

كل الأمم تحتفل بالإنتصارات .. ولكن سدنة مايو البائد قصدوا عن عمد هنا الإحتفاء والإحتفال بشماتة صامتة  على هـزيمة المهدية في معركة كرري.

ونلفت الإنتباه أن الإمام المهدي بالذات كان في جميع خطبه ورسائله ومناظراته المحفزة للجهاد .. كان يركز على إستنهاض الدافع الديني ... ويبشر أتباعه بالشهادة ومرافقة الحور العين في الفردوس الأعلى .
فكيف إذن يناقض بعضنا أنفسهم والعقيدة ؛ حين يجعلون من اللون الأحمر في العلم دلالة على الإحتفاء بدماء الشهداء والقتلى؟
ألا يعرف هؤلاء أن الفردوس الأعلى هو منزلة الشهيد في الجنة ؟ .. وأن الفردوس الأعلى أخضر هو الآخر وليس بأحمر؟

ألا يدرك هؤلاء أن اللون الأحمر هو الذي تبناه الصليبيون في حروبهم ، وجعلوا منه تخليداً لدماء قتلاهم ؟

ألا يدرك هؤلاء أن اللون الأحمر هو الذي تبنته العقلية الغربية ، وجيوش الفِرِنجَة في الأندلس ؟

أين هذا اللون الأحمر في رايات الإسلام التي رفعها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ؟
السيرة النبوية الشريفة من الألف إلى الياء ؛ لانشاهد بين   راياتها المرفوعة وجودا للون الأحمر ؛ سوى تلك العصابة الحمراء التي أخرجها الصحابي أبودجانة الأنصاري من جيبه وعصب بها رأسه رأسه بمبادرة شخصية منه يوم أحـد ... وجاء ذلك حين أكرمه الله عز وجل أن يتسلم بيده من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفاً "يأخذه بِحَـقِّـه" ، ويفلق به هامات المشركين.

وقد أطلق الصحابة على هذه العصابة الحمراء إسم "عصابة الموت" .. وعرفت بهذا الإسم فقط ... ولم يتخذونها رمزاً للشهادة أو تمجيداً لأرواح الشهداء.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قوله : كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض ورايته سوداء.
...................
ثم أن أكثر ما يثير في النفس الشفقة ؛ هو ذلك اللون الأبيض الذي يحتل في علم نميري مستطيل مساوٍ للمساحة التي يحتلها كل من ا للونين الأحمر والأسود بدون داع.

ماذا يعني اللون الأبيض ؟ ومالنا نحن به حتى في ألوان بشرتنا السودانية المميزة ؟ ... وما هي علاقته بأية دلالة رمزية سودانية ننفرد بها دوناً عن غيرنا أو ندَّعيها ؟

جتى الجلابية والعمامة السودانية التقليدية ... وطاقية الوقار ؛ لم تعد محصورة في اللون الأبيض وحده .

ويزعمون أن اللون الأبيض تعبير عن حسن النوايا ، وبياض القلب ، ونقاء السريرة . ونبل الطباع والسجايا الصافية والوفاء ..إلخ التي نتميز بها كسودانيين .... سبحان الله ويا إلهي ! ....

كل شعب من شعوب العالم (بمن فيهم التتار والصليبيين والغجر والصهائنة ) ؛ وكذا عصابات المافيا الإيطالية ، وآل كابوني في شيكاغو ، وكاوبويات تكساس ؛ يأنسون ويدَّعون في أنفسهم نقاء السريرة وبياض القلب ؛ ونبل الطباع والسجايا الصافية والوفاء .. إلخ .. وعلى نحو جعل من هذه المعاني الطلائية الجمعية محض إستعراض تسميع تلقيني أمام أولياء الأمور في حضانات الأطفال ...... ومجرد رؤوس أقلام رصاص لورقة إنشاء تحريري على طاولة إمتحانات النقل بين الصفوف في مدارس الأساس الحكومية من شنغهاي إلى شنغهاي؛ ومن مهد قبائل الزولو إلى شعب الإسكيمو.
لا بل ويقال أن أبليس لعنه الله ؛ سيقف خلف الصفوف يشب بقدميه ، ويمدّ عنقه ويحرك رأسه ؛ يطالع ويدَّعي حسن النية وبياض القلب ؛ ونبل الطباع والسجايا الصافية والوفاء ؛ طمعا في أن تناله رحمة الله.

وهاهو اللون الأبيض قد دخل على صحة فتياتنا ونساءنا ، والأجِنَّة في أرحام أمهاتهم بالساحق والبلاء المتلاحق ؛  حين إنكببن بسببه على إستخدام الكريمات المسرطنة والمعطلة للكلى ؛ لهثاً خلف "تبييض" البشرة واكتساب اللون العربي  بلا طائل.
......................
ويقولون :
ن اللون الأسود هو اللون الذي أشتق منه إسم بلاد السودان ، ويجسد الشجاعة والإعتزاز بالوطن والتراث. ويرمز أيضاً للإنتماء إلى القارة السمراء]

سبحان الله .. أخيراً تذكرنا عند اللون الأسود فقط واقع إنتماءنا للقارة السمراء ؟ ... وطفقنا نعبر عن فرحتنا وسعادتنا أن "الأشقاء" العرب أطلقوا علينا إسم "السودان" لأننا سود البشرة؟

إذن أينما تذهب في هذه المعاني التي ساقها نظام نميري الفاشل ؛ تجد بصمات القوميين العرب حتى في سخريتهم من سواد ألواننا.

والمفيد هنا أن العرب لم يطلقوا إسم السودان على سكان الرقعة الجغرافية المعروفة حالياً بالسودان .. فالسودان الحالي كان يسمى لدى العرب "بلاد الحبشة" .. وكذلك كانت له أسماء أخرى لدى أهل الحضارات القديمة من فرس وأغريق ورومان ؛ أشهرها "كوش" و "أثيوبيا" .

وطالما كان الأمر . فلماذا الأخذ والعبرة هنا فقط بمسميات العرب ونعوتهم وأوصافهم لنا وحدها ؟
هل يعني "السودان" The Sudan  باللغة الإنجليزية مثلا نفس المدلول في اللغة الإنجليزية الذي تعطيه الكلمة العربية؟...
هل يقال للسودان باللغة الإنجليزية BLACK .. أم هل يقولون له باللغة الهندية " كـآلا " ... أم هل يقولون له باللغة الإسبانية NEGRO ؟ 
الإجابة أنه لا هذا ولا ذاك ...
كل العالم يعرفنا بإسم The Sudan  .. وهو ما جعل هذا الإسم يتحول إلى "علم" .. أي أنه إسم موضع لمعيَّن من غير إحتياج إلى قرينة ، وبالتالي لم يعد له علاقة بالمعنى والمدلول الذي يبرره تصميم علم نميري....

ثم لماذا هذا العـض الذاتي في جلودنا والشقاء الملازم ؟ .. لماذا وقد كان لبلادنا منذ أكثر من 7000 عام أسماء أخرى منها أثيوبيا وكوش ، ونبتة ومروي؟

كذلك من ضمن المزاعم والتبريرات الأخرى في غير محلها ؛ هو قولهم أن اللون الأسود يجسد الشجاعة والاعتزاز بالوطن والتراث . ويرمز أيضا للإنتماء .... وجميع هذا مزاعم فارغة من باب الإنشاء التي لا تعني شيئا....   ولا يستحق عناء تفنيده.

يبقى بعد ذلك الإشارة إلى أن الجزء الأول من هذا المقال قد تناول ببعض الإسهاب اللون الأخضر في علم البلاد .. والتساؤل عن السبب في التقليل من أهميته ومساحته على الرغم من أن السودان بلد زراعي . ولا مستقبل إقتصادي منتج له سوى الزراعة ... وأن المنتجات الزراعية والغابية وما يرتبط بها من أنشطة ومنتجات حيوانية أخرى كانت ولا تزال تشكل صمام الأمان للسودان…. وكذلك يثار التساؤل عن مغزى تجاهل علم نميري لنهر النيل!
ومن ثم أحيل القاريء إلى الجزء الأول من هذا المقال منعا للتكرار وتحاشياً للإطالة.

(إنتهى)

الجمعة، 26 ديسمبر 2014

عـودة علم الإستقلال أصبحت ضرورة

عـودة علم الإستقلال أصبحت ضرورة

(الجزء الأول)


علم الإستقلال المجيد

بعد تغيير ملحوظ في المفاهيم والقناعات . وارتفاع نسبة التعليم . فقد أدى كل هذا وبعضه إلى غلبة الأحساس بحتمية المشاركة الفاعلة بين كافة مكونات شعبنا العظيم .. وتنامت المطالب بضرورة التفكير في إعادة العمل بعلم الإستقلال السوداني التقليدي المعروف. والذي جرى إستبداله دون مبرر بما يعرف بعلم نميري تارة ؛ وعلم مايو تارة ، و العلم العربي تارة أخرى.

علم نميري ... لايزال معمولاً به


عهد مايو البائد كان نظاما سياسياً فاشلاً .. ودليل فشله الواضح أنه تم إزالته بإنتفاضة شعبية شاركت فيها كل جماهير الشعب ؛ وعلى مختلف إنتماءاته الوطنية والجهوية والطائفية والحزبية .

وقد كان الطبيعي المتوقع تالياً هو التخلص من جميع آثار  وفضلات هذا النظام السياسي الفاشل ...

ولكن يبدو أن قادة الأحزاب التي جاءت بها إنتفاضة ابريل 1985م إلى كراسي الحكم .. إنشغل هؤلاء بأنفسهم . واللهث خلف إعادة ما تم مصادرته وتأميمه من ممتلكاتهم خلال عهد مايو الذي امتد مابين مايو1969م و أبريل 1985م.
 
العلم السوداني الحالي الذي تم "خياطته" على طريقة "أنسخ وألصق" من أعلام الدول العربية الأردن وفلسطين وسوريا والكويت والإمارات والعراق ومصر  واليمن . هذا العلم إنما جاء محاولة بَلْهَاءْ من نظام مايو البائد لمحو كل القديم ، وبناء جديد باهت . بعد أن سوّلت لجعفر نميري نفسه بأنه سيكون في السودان نسخة طبق الأصل من جمال عبد الناصر في مصر والأمة العربية ..... ويا بـــلاش.


عبد الناصر .. زعيم لم تخلقه الصدفة .. ولكن البعض بلهاء

كانت "عُـقدة" جمال عبد الناصر قد وصلت إلى ذروتها ، وأقصى مداها في تلك الفترة من عقد الستينات ... ثم تنامت واستفحلت بعد وفاته حين ظن كل قزم إنقلابي أنها فرصته السانحة للقفز فوق مقعد الزعيم الخالي .... أو كأنّ الزعامة والكاريزما الجماهيرية إنما تنتقل الروح فيها من الميت إلى الحي بالتناسخ ... ودون حاجة إلى أن يعينها الموقع الجغرافي والآليات المواتية ... وتخلقها جاذبية الشخصية المحورية ... وتفرضها الأحداث المصيرية  القومية ، والمواقف التاريخية الصلبة ، والقرارات الشجاعة المواكبة لمراحل مفصلية من تاريخ الشعوب.

الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري

لهثاً خلف الزعامة المستحيلة ؛ لم يترك عهد مايو البائد  شاردة ولا واردة من بصمات عهد عبد الناصر في مصر إلاّ وقام بتقليدها same same  على الطريقة الهندية.

وكان من ضمن ذاك التقليد الأعمى التوجه نحو الكتلة الإشتراكية ، وتغيير السلم التعليمي ليتشابه مع المصري .. ونسخ القانون القضائي المصري .. وتغيير علم السوداني والشعار الرسمي للدولة .. وإنشاء "الإتحاد الإشتراكي" كنسخة من الإتحاد الإشتراكي الذي أنشأه عبد الناصر ..  وإلغاء الإدارة الأهلية .... وكذلك إنشاء "كتائب مايو" في تقليد لتنظيم "الطليعة" الناصري  ... ثم ذهب إلى تقليد عبد الناصر في تأميم الصحف ووسائل المواصلات ؛ ومصادرة وتأميم المصانع والمغالق ، وورش الفبركة والسمكرة ؛  والمطاعم ودكاكين البقالة  .... وهكذا دواليك ؛ حتى قيل أن جعفر نميري حين لم يجد "قناة سويس" سودانية يؤممها ؛ نازعته نفسه إلى مصادرة وتأميم "خور عمر".

ومما جاء من تبريرات واهية خلال تلك الفترة على لسان سدنة وأبواق عهد مايو الإعلامية .. جاء قولهم أن تغيير العلم السوداني القديم بهذا الجديد إنما يتماشى مع طموحات الشعوب العربية ، وقرارات الجامعة العربية بتوحيد أعلام الدول الأعضاء على أقل تقدير ؛ بعد أن فشلت كل محاولات تحقيق الوحدة الإندماجية بينها.

الشريف حسين وبجواره علم الثورة العربية الكبرى

هذه الألوان والتصميمات التي طالبت بها جامعة الدول العربية أعضاءها ؛ إنما تعود في الأصل إلى العلم الذي إتخذه الشريف حسين (شريف مكة) خلال مرحلة قيادته لحرب تحرير الحجاز من حكم الدولة العثمانية (1916 – 1918م) ؛ ثم تمدّد  شرر ولهيب هذ الثورة  إلى الشام والخليج ؛ وتحولها لاحقا إلى ما جرى الإصطلاح على تسميته بـ "الثورة العربية الكبرى".

ولكن لم تجد دعوة الجامعة العربية تلك الإستجابة المرجوة . فقد كان عدد الدول العربية التي اقتنعت بإعادة تصميم أعلامها الوطنية على ذاك النحو من الألوان الأربعة  ... لم يتعدى عدد هذه الدول 8 .... وتبقت 15 دولة أخرى لم تجد ما يقنعها ويدفعها إلى تبني هذا التصميم . وذلك من واقع أن لكل" شعب" من شعوب "الأمة" العربية له خصوصياته الوطنية المتفردة عن غيره...
وطالما كان الأمر كذلك فلا أجدر من أن نكون نحن أكثر إلتحافاً بهذه الخصوصية الوطنية ؛ التي يمثل التمازج العربي الأفريقي فيها معظم محتويات وخلطة الكيكة.

إذن كان علم الثورة العربية الكبرى التي فجرها الشريف حسين الهاشمي في الحجاز عبارة عن ثلاث مستطيلات أسود ثم أخضر ثم أبيض .. وهناك مثلث على اليسار باللون الأحمر ...
وعلى ذات النسق جاء علم نميري الحالي عبارة عن ثلاث مستطيلات أحمر ثم أبيض ثم أسود ... وهناك مثلث على اليسار باللون الأخضر.

وبإختصار نرى المحصلة هنا أن نظام مايو البائد بإختياره تصميم هذا العلم ومقارنته بعلم الثورة العربية الكبرى . نراه لم يجهد نفسه ولم يأتي بجديد .. وقصارى ما فعله أنه باع لنا توليفة صحن "الفول بالجبنة والبصل والجرجير" .... بدلا من توليفة صحن "البصل  بالجرجير والجبنة والفول".

واقع الأمر أن نظام مايو قد إستغل الفرصة على ظن واهم أنه يستطيع تزوير التاريخ ؛ فينشر ويعمم صورة لجعفر نميري وهو يرفع العلم (العربي) الجديد على سارية القصر الجمهوري ؛ فيترسخ ذلك في عقل النشء ، وتنمحي تلك الصورة المغروسة في وجدان وضمير الشعب السوداني ، والمتوارثة أبا عن جـد للزعيم السوداني الراحل إسماعيل الأزهري وهو يرفع علم الإستقلال فوق سارية القصر الجمهوري.

الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري يرفع علم الإستقلال عام 1956م

صورة الأزهري تلك كانت ولا تزال هي الصورة الوحيدة ، واللحظة الفاصلة الصادقة المعبرة وجدانيا ورسميا عن إعلان إستقلال البلاد .. وتتويجاً لنضال وطني باهر ... ولا سبيل لمحوها عن الذهنية السودانية حتى يرث الله الأرض وما عليها .
هكذا شاء وأراد الله عز وجل أن يكون "إسماعيل الأزهري" هو المواطن بيننا الذي ينال هذا الشرف السامي في تاريخ البلاد المعاصر ؛ فكان لله ما أراد .... والله أعلم حيث يجعل رسالته .

ولكن يبدو أن سدنة عهد مايو البائد قد أقنعوا جعفر نميري بأنه قادر على تغيير صدى المشيئة وتاريخ البلاد ؛ وحجب شمس النهار بمجرد إنتهاز الفرصة التي يحققها مطلب الجامعة العربية بتوحيد أعلام الدول الأعضاء .. ومن ثم يتم "خياطة" علم "قومي عربي" جديد بديلا عن علم السودان "الوطني" الأصلي .
ثم يتولى جعفر نميري "رفعه" بيديه فوق سارية القصر الجمهوري خلال إحتفال مهيب ؛ وتلتقط له الصور الفوتوغرافية والتلفزيونية بهذه المناسبة فـيُـنْسَبُ إليه الفضل . وتزول بذلك تلك الصورة التي طبعت في ذهن الشعب السوداني ، لحظة رفع الأزهري علم البلاد الأصلي بألوانه الثلاثة المميزة للشخصية السودانية.....
هكذا ظنّ السدنة وصدقهم نميري .. ولكن هيهات أن تعلو العين على الحاجب.

وعليه فإن كل حديث عن تصميم مبدع لعلم السودان الحالي يأتي كلام في الهواء ومحض هـراء .. فهو في نهاية المطاف "فوتو كوبي" وتقليد أعمى مسيخ ؛ لاطعم ولا نكهة ولا معنى له ..... فاقد للشرعية وشهادة بلد المنشأ ؛ وحقوق الملكية الخاصة .

كان الخطأ الذي وقعت فيه مايو منذ بداياتها أنها تجاهلت "عن غباء" واقع أن السودان ليس بدولة عربية خالصة .. وأن هناك شركاء للعرقية العربية السودانية (كانت نسبتها قبل إنفصال الجنوب 65%) ؛ من حقهم المشروع أن يظلوا شركاء فاعلون ، وتشملهم المشورة الموجبة في كل كبيرة وصغيرة تتعلق بالوطن الواحد .

العلم السوداني الأصلي - علم الإستقلال

العلم السوداني الأصلي المكون من ألوانه الثلاثة (الأزرق والأصفر والأخضر) ؛ يظل هو العلم الأصلح  للدلالة على واقع التركيبة السودانية من جميع أطرافها وأشكالها ؛ سواء تلك المتعلقة بالبيئة الجغرافية وسبل كسب العيش أو الثقافة ....

جاء هذا العلم في تصميمه وألوانه رمزاً معبراً عن وحدة وترابط وتداخل هذا المزيج البشري من مكونات الشعب وثرواته وخيراته ، وجغرافيته وتضاريسه .. وسبل كسب عيشه الكريم ، وكده وعرق جبينه الذي حتما يفخر به وسط الأنـــام.

الموج الأزرق في عينيك يناديني نحو الأعمق 
(سليل الفراديس .. لماذا تغاباه علم نميري ؟ ولمصلحة من؟)
 
اللون الأزرق في العلم السوداني الأصلي لا يحتاج إلى كثير من سكب الأحبار أو الومضات الألكترونية .... فثروتنا المائية تجري فوق الأرض وتنبع من تحت الأرض وتهطل من السماء .. والمخزون المائي تحت الأرض لدينا إكتشفوا مؤخراً أنه أضخم ضعفين من ذلك الذي يجري فوق السطح ..

والطريف الآخر من عبق هذا اللون الأزرق ؛ هو تلك السماء الزرقاء الصافية التي تتميز بها أجواء بلادنا عن غيرها من العديد الدول الأخرى .. ولا يلاحظ أو يدرك مدى جمال هذه القبة الزرقاء فوقنا سوى من سافر أو أقام في البلدان الأخرى فترة.  

خريطة السودان الطبيعية ... تؤكد عبقرية تصميم علم الإستقلال

واللون الأصفر الذي كان يحتل مساحة الثلث الثاني من العلم الأصلي جاء للدلالة على أجزاء عزيزة من البلاد هي الصحراء .. والناظر إلى خريطة السودان الطبيعية يلاحظ بالفعل أن الألوان التي تميز هذه الخريطة الطبيعية إنما هي الأخضر والأصفر .... وهناك سليل الفراديس بروافده ثم سماء السودان الزرقاء .


الذهب السوداني
ومن عجيب الصدف وتصاريف القدر ؛ أن اللون الأصفر نراه قد سجل لنفسه زخماً أكثر بعد إكتشاف توافر معدن الذهب الأصفر الرنان في صحاري البلاد شماله وشرقه وغربه ...

شجــرة التبلدي العملاقة
ومن جهة أخرى فإن المعروف عن الصحراء السودانية ؛ أنها تزخر بالعديد من الثروات الطبيعية المتنوعة من أشجار ونباتات طبية ، وحيوانات راجلة وزاحفة ؛ تمنح قرونها وجلودها ولحومها وعظامها وشحومها علاجاً شعبياً ناجعاً لبعض الأمراض ... وبعداً تراثياً لصناعات تقليدية وسياحية نتميز بها .


يرمز اللون الأخضر إلى الزراعة والغابة والمراعي التي تظل دائما مفتاح وسجادة الحياة السودانية المنبسطة بطول البلاد وعرضها . وكذا معبراً عن مهن أهل البلاد الرئيسية (الزراعة / الرعي/ الصيد/ المنتجات الغابية) . ومنها يأكل ويعتاش أهل السودان ، ويصدرون منتجاتهم من القطن والصمغ والسمسم ، والمواشي والضأن .. إلخ . بالإضافة إلى منتجات البساتين والحدائق والغابات الأخرى من فاكهة وتمور وأعشاب ؛ وبذور وأزهار طبية نادرة وجلود إلى يومنا هذا وحتى الغد بإذن الله.

وفي علم مايو  (العربي) الحالي ، نلاحظ أن اللون الأخضر لايمثل من مساحة العلم سوى مثلث صغير مركون على الجانب الأيسر ... وهذه كارثة كبرى عند إستحضار واقع ما تمثله الزراعة والرعي والغابات المشار إليها أعلاه من أهمية قصوى في تاريخ وحاضر ومستقبل البلاد ..

تخصيص مثلث صغير للون الأخضر . مركون على الجانب الأيسر يأتي دلالة واضحة على خطأ جسيم أساسي لا يتعارض مع الواقع فحسب .. بل هو يتنافى مع طموحاتنا منذ سنوات عهد مايو البائد أن نصبح سلَّـة الغذاء العالمي.

 منها يأكلون ومنها يعرشون

ولا نبالغ لو ذهبنا إلى إقتراح بأن يخصص للون الأخضر في علم السودان مستطيل يشغل 50% كاملة من مساحة التصميم . وليس مجرد  مثلث  مركون.

في الجزء الثاني من هذا المقال ؛ سيتم التركيز على تفنيد المزاعم والإدعاءات الواهية الخاطئة حول دلالات علم السودان العربي الحالي الذي إبتدعه نظام مايو البائد ... ومدى مواكبته للطموحات الوطنية ، وتمثيله للواقع السوداني ....... فإلى لقاء بإذن الله.
(يتبع )
مصعب المشـرّف

25 ديسمبر 2014م