السبت، 23 مايو 2015

إصابة عمر الشريف بالزهايمر

إصابة عمر الشريف بالزهايمر

 

مصعب المشرف

23 مايو 2015م

 

عمر الشريف (2013م)

تم الإعلان اليوم 23 مايو 2015م  عن إصابة الممثل العالمي المصري المولد "عمر الشريف" بمرض الزهايمر . وأنه لم يعد يتذكر أنه شارك كبطل مساعد في أفلام "لورانس العرب" و "دكتور زيفاجو". و"فتاة مرحة", ولكنه بوجه عام لا يزال يدرك أنه ممثل سينمائي شهير....... وصدق المثل القائل: "يموت الزمّار وصوابعه بتلعب".

 

عمر الشريف وبجواره ولده طارق في مدريد عام 2001م


ويقول ولده "طارق الشريف" أن والده ظل فترة من الوقت غير مدرك لواقع وفاة زوجته السابقة "فاتن حمامة" .... وذكر أنه على الرغم من أنه ذهب شخصياً لمقابلة والده لينقل إليه نبأ الوفاة . إلا أنه ظل يسأله عنها وعن أخبار صحتها فترة طويلة بعد وفاتها.

 

يبلغ عمر الشريف من العمر 83 سنة ... وهو من أصول لبنانية ، ولكنه ولد وتربى في الأسكندرية . وإسمه الأصلي هو "ميشيل ديمتري شلهوب" . وذهب للتمثيل في هوليود عام 1960م.

 

ينحدر "عمر الشريف" من أسرة وفدت إلى مصر من لبنان . وكانت تعمل في مجال النجارة وتجارة الأخشاب .. وقد واصل عمر الشريف تعليمه حتى دخل جامعة القاهرة وتخرج في بكالوريوس كلية العلوم – شعبة الرياضيات والفيزيا .

 

تعرف إلى الممثلة المصرية الشهيرة "فاتن حمامة" التي أعجبت به أيما إعجاب ووقعت في غرامه .. وسرعان ما قدمته للسينما للمشاركة في بطولة فيلم "صراع في الوادي" بطولة فاتن حمامة.

أيامهم الحلوة .. عمر الشريف وفاتن حمامة وإبنهما طارق .. ظلت العلاقة الزوجية الحقيقية 13 سنة حدث بعدها الإنفصال .... ثم حدث الطلاق الرسمي بعد 6 سنوات منه 

في عام 1955م إعتنق الإسلام ... وتزوج من فاتن حمامة حيث أنجبا إبنهما "طارق" .... واستمر الزواج رسمياً مدة 19 سنة ثم انتهى بالطلاق عام 1974م على إثر خلاف عميق بينهما ؛ يقول عمر الشريف أنه تمحور حول رفض فاتن حمامة ترك مصر والهجرة إلى هوليود للوقوف بجواره في مشواره السينمائي العالمي ؛ الذي بدأه عام 1962م عقب هجرته من مصر عام 1960م.

 

لقطة من فيلم "لورانس العرب" الذي شارك فيه كبطل مساعد جوار "بيتر أوتول"

أشهر أفلامه على الإطلاق هي مشاركته عام 1962م للمثل "بيتر أوتول" البطولة في فيلم "لورانس العرب" .... وهو الفيلم الذي جرى منعه في الدول العربية فترة طويلة بسبب مهاجمته للكثير من العادات والتقاليد العربية . وتقديم شيوخ القبائل وأثرياء التجار العرب بما لا يليق.   

 

عمر الشريف و جولي كريستي  في فيلم دكتور زيفاجو

في عام 1965م شارك النحمة العالمية "جولي كريستي" دور البطولة في فيلم "دكتور زيفاجو". الذي أحدث وقتها صدى عالمياً واسعاً كونه عرض في السينما خلال فترة الحرب الباردة ... ويركز على تعرية واقع الإتحاد السوفيتي ؛ والنظام الشيوعي القمعي الغير ديمقراطي 

 

عمر الشريف في عصره الذهبي وأوراق الكوتشينة لا تفارق أصابعه

عاش عمر الشريف طوال حياته ينفق بلا حساب .. وقد ظل مدمناً شغوفاً بلعبة "البريدج" . وهي لعبة كوتشينة على موائد القمار الخضراء.


 

الجمعة، 22 مايو 2015

مغـزى تقـديم الشعب بائعة شاي لإفتتاح مستشفى

مغـزى تقـديم الشعب بائعة شاي لإفتتاح مستشفى


مصعب المشرّف
22 مايو 2015م



الذي لم يفهمه شخص واحد ؛ شذوذاً عن الملايين من أبناء الشعب فيما يتعلق بالمغزى الذي إختارت فيه الأمة تقديم بائعة الشاي لإفتتاح مستشفى متاح لعامة الشعب .. الذي لم يفهمه هذا الشخص من كل هذا وبعضه أن الغرض إرسال رسالة واضحة بكل الشفافية إلى ولاة الأمر في داخل البلاد .. وإلى كافة الشعوب الأخرى التي نقلت إليها وسائط المعلوماتية النبأ .. يتمثل مضمون هذه الرسالة في التالي:

1)  أن بائعة الشاي هذه تجيء رمزاً لعفة النفس وطهارة اليد ، وكبرياء الإنسان السوداني الأصيل الحـر ؛ الذي آمن بخالقه حق إيمانه ، وآثر أن بكسب رزقه بعرق جبينه وكد يده . وعلى هدي حبيبه المصطفى عند قوله صلى الله عليه وسلم : [ ما أكل أحد طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يديه ، وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده] ..... كل ذلك  على العكس مما أصبحنا نراه من نماذج إمتهنت الإنحراف الأخلاقي . أو جعلت من الوظيفة العامة مدخلا للكسب والثراء الحرام . ولم يتورع بعضهم حتى في سرقة أموال الله . وتبديدها على رفاهيتهم في هذه الحياة الدنيا القصيرة مهما طال الأمد بالإنسان.

2)  إحجام رعاة المستشفى عن دعوة وزير الصحة هو رد عملي على إستهزاء هذا الوزير بمشاعر الشعب حين سخر منه بالأمس ، ونصحه بأكل الضفادع ... كل هذا رغم أن هذا الشعب الذي يزدريه اليوم ؛ هو الذي تولى الصرف والإنفاق عليه بالأمس حتى وصل إلى ما وصل إليه من مركز أكاديمي ....
 والطريف أن أهل "المشروع الحضاري" من القاع إلى القمة وبمن فيهم علماء السلاطين ؛ لم يحاولوا إفهام هذا الوزير "الإسلامي" بحقيقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتل الضفدع ....... فقد روى البيهقي في سننه عن سهل بن سعد الساعدي: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل خمسة: النملة والنحلة والضفدع والصرد والهدهد ) ... وبذلك رأى العلماء أن تحريم قتل الضفدع يستلزم منع أكله.

3)  من جهة أخرى فقد إنبرى هذا الشخص الصحفي الثـري الوارث  ؛ يحتج وحده على الناس أنهم لم يأتوا بوزير الصحة لإفتتاح المستشفى . وفضلوا بدلا عنه بائعة شاي من عامة الشعب .....
أما لماذا يحتج هذا الصحفي بضرورة أن يتعبد الناس على بلاط المنصب الحكومي الرسمي ؛ ففيه دليل باديء ذي بدء على أنه (الصحفي هذا) يعيش في عالم غير العالم الذي يعيش فيه أقرانه من الشباب .. لا بل ويعيش زمناً غير زمانه .. وأنه بالجملة والتفصيل قد إختار الإنزواء مكبلاً في كهوف الماضي الإصطفائي  ..... فلم يعد يعلم بمعطيات الحاضر . وكيف أصبح يفكر أمثاله وأقرانه من الشباب الذي أتاح لهم فقرهم أن تمتليء سواعدهم وأقدامهم وشعر رأسهم وجباههم بتراب وغبار الوطن الغالي ......  ويتفاعل هذا الشباب مع قناعات ومثل جديدة تبلورت وأفصحت عن جيل جديد غير مكبل بقيود أولاد المصارين البيض ؛ وقدسية صاحب السجادة الطائفية ... وإمتيازات صاحب المنصب الحكومي . وغيرها من عناقيد غرور وتعالي عفا عليه الزمن.

4)  مطلب هذا "الفتى الصحفي الموالي" ؛ الذي يشترط أن يكون وزير الصحة هو الذي يناط به إفتتاح هذا المستشفى ؛ يذكرنا بقول بعض كفار قريش [لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم].

5)  إحتجاج هذا "الفتى الصحفي الثري" بأن يكون فلان وعلان من أصحاب المناصب العليا هو الذي يفتتح هذا المستشفى ؛ وتغييب بائعة الشاي يذكرنا أيضاً بقول بني إسرائيل  حين قال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا :[ قالوا أنّىَ يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله قد إصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم]..
وقد قلنا أعلاه أن الله قد إصطفى بائعة الشاي هذه بشرف إكتسابها الرزق الحلال . وجعلها في أعين شعبها رمزاً لعفة النفس وطهارة القلب ونظافة اليد . لأنها إختارت من النجدين المهديين طريق كسب الرزق بالحلال . ولم تمتد يدها للمال العام والرشاوي والعمولات والشراكات النائمة على عهدة نفوذ المنصب العام.

إن الذي لم يستوعبه البعض القليل القليل ؛ هو أن الشعب قد سئم من الفساد وفضائح السرقات التي عبقت روائحها طول البلاد وعرضها . وجرى تصدير رائحة عفونتها إلى الخارج ؛ حتى بات الحال مضرب الأمثال . وحصل السودان على الترتيب "العالمي" الرابع  في قائمة الدول الأكثر فساداً.

6)  الطريف أن هذا الفتى الصحفي المُنَعَّـم ؛ قد ذهب إلى أبعد من ذلك حين أفتى قائلاً : (ﺍﻷﻣﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﺪﻡ ﺳﺖ ﺍﻟﺸﺎﻱ ﻋﻠﻰ ﻭﺯﻳﺮ ﺍﻟﺼﺤﺔ ﻟﻦ ﺗﺘﻘﺪﻡ ﺃﺑﺪﺍً )  .... ومثل هذا القول مردود عليه بأن الأمة قد سبق وقدمت الوزير تلو الوزير على غيره من أبناء الشعب الشرفاء المخلصين . وظلت تنتظر كالخراف والنعاج طوال عقود ولكنها لم تتقدم أبداً .....
ثم أن هذه الأمة التي يمثلها هذا القطاع الواسع من المتبرعين ذوي الأيادي البيضاء والشباب العامل العاشق لبلاده ومواطنيه عندما أقاموا هذه المستشفى على أكتافهم العارية ..... لو كان هؤلاء جميعهم  يأنسون في وزير الصحة خيراً لما كانوا قد تجاوزوه إلى غيره من رموز نسائية تمثل سنام الشرف الرفيع في عرف وثقافة وتجربة الشعب على مر العصور  ....
ولا ينكر أحد أن وسائل التواصل الإجتماعي ومواقع الإنترنت قد شهدت إجماعاً منقطع النظير على تأييد هذه الخطوة التي إتخذها الشباب القائم على إنشاء هذا المستشفى ......... ولا تجتمع أمة محمد على ضــلال .


7)  تتبقى أيضا الإشارة إلى أن الأرامل ، ومن ترك لهن أزواجهن يتامى . أو من تخلى عنهن وعن أطفالهن  آباء وأزواج بالطلاق أو الهروب والإختفاء بسبب عدم القدرة على الإنفاق عليهم . وهو ما دفع بمعظم هؤلاء النسوة إلى طرق أبواب العمل الشريف الشاق المتمثل في بيع الشاي والكسرة ، وغيرها من مهن يدوية .. هذه الشريحة من المرأة العاملة قد تعرضت للأسف إلى الكثير من العسف والظلم من جانب الأجهزة المعنية الرسمية ، التي سامتهن الخسف والمصادرة .. لا بل ولم تسلم بعضهن حتى من سـلق ألسنة أئمة المساجد الحِـداد ، وهمز ولمز وخائنة أعين شيوخ الفتاوي السلطانية في الأجهزة الإعلامية على علاتها ... وتناسى هؤلاء عن عمد ضرورة وأولوية الحديث الصريح عن حرمة الربا ، وسرقة المال العام وأموال الزكاة ، وغسيل الأموال . وسرقة أراضي المغتربين ، ودفن النفايات .. إلخ من جرائم كان ينبغي تسليط الضوء الشرعي عليها بقوة . وليس الإنحراف وإلهاء الرأي العام عنها بالتجني الغير مبرر على بائعات الشاي والكسرة والطواقي والبخور.

8)  وقبل أن يجعل هؤلاء الشيوخ من يائعات الشاي والكسرة مادة أساسية دسمة لهجوم ألسنتهم . فحبذا لو إلتفت هؤلاء إلى التساؤل عن طبيعة وحقيقة المصارف التي تصب فيها الزكاة .. ولربما ما كانت أرملة أو مطلقة لتضطر إلى تحمل ومكابدة تحصيل الرزق عبر مهن صعبة في ظروف قاسية لو أن مصارف الزكاة قد طرقت أبوابهن ؛ وقامت على رعايتهن وأطفالهن على النحو الذي أمر به الله ورسوله.

الاثنين، 18 مايو 2015

أهرامات آثار مملكة مروي السودانية

أهرامات  آثار مملكة مروي السودانية

 مصعب المشرّف

18مايو 2015م

وزعت وكالة رويتر مؤخراً تقريراً مصوراً عن آثار مملكة مروي ؛ التي شهدت بناء العديد من الأهرامات السودانية خلال الفترة ما بين عامي 720ق.م و 300ق.م .

 

تولى مهمة التصوير وإعداد التقرير "إيريك لافيرغيو" . وقد تحدث التقرير واصفا مدينة مروي بأنها المدينة المفقودة وسط الرمال.

 

تقع مدينة مروي الأثرية اليوم على الضفة الشرقية لنهر النيل . وتبعد عن العاصمة الخرطوم مسافة 200 كيلومتر.

حتى اليوم بلغ عدد الأهرامات التي تم اكتشافها 200 هرم .. ولايزال العدد مرشح للإزدياد .
 

 تتميز أهرامات حضارة مروي السودانية عامة بقمتها المدببة ، وبتصميمها بزاوية شديدة الإنحدار من الأعلى إلى الأسفل .. وكذلك بصغر حجمها ، حيث يتراوح إرتفاعها في المتوسط ما بين 20 قدم إلى 100 قدم عن سطح الأرض.

 

 كذلك توجد أهرامات أخرى أكبر حجماً (نادرة التصميم) . حيث  تتميز بأن قمتها مسطحة وتشتمل على رسومات إبداعية سجلت على جدرانها توثيقاً للحضارات المعاصرة لها في تلك الفترة . وبما يدل على المدى الذي كان عليه التواصل ما بين حضارة مروي ومثيلاتها في النوبة المصرية ؛ وروما وأثينا.

 

ويبدو أن طبيعة المنطقة لجهة المناخ الممطر والتضاريس قد أسهمت بشكل جذري في إختيار هذه التصميمات المتفردة للأهرامات السودانية ...

 

ويجدر الذكر أن الإسم الرسمي للموقع هو "جزيرة مروي" . وذلك إشارة إلى أنه كان في الماضي عبارة عن جزيرة وسط نهر النيل ؛ قبل أن ينحسر النهر طوال مئات السنوات المتعاقبة نحو الغرب . وتجف المنطقة التي بات يهددها التصحر.

 

 ومن جهة أخرى فقد تفوقت أهرامات مروي من حيث كثرة عددها على غيرها في مصر والمكسيك وبعض دول أمريكا اللاتينية.

 

 موقع اليونسكو الألكتروني على الشبكة العنكبوتية ؛ وصف موقع آثار جزيرة مروي بأنه "قلب أرض مملكة كوش السودانية" .. هذه المملكة القوية اعلى النهر ؛ الواسعة النفوذ خلال الفترة من القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن الرابع الميلادي.

 

ويشتمل الموقع على القصور الملكية لملوك كوش في مروي . وبجواره موقع النجعة والمصورات المخصصة لممارسة الشعائر (الدينية) الوثنية  التي سادت خلال تلك الحقبة التاريخية.

 

 ذهب السيد/ إيريك لافيرغيو إلى الخرطوم حيث أجرى لقاءاً مع بعض الرسميين في مجال الآثار السودانية .... كان من بينهم السيد/عبد الرحمن عمر ؛ رئيس المتحف القومي في الخرطوم . الذي نسب إليه قوله : "أنه في القرن التاسع عشر . فإن بعض لصوص وعلماء الآثار المغامرين قد سطوا على الكثير من المدافن ومزقوا أطراف هذه الأهرامات الذهبية . ودمروا جزءاً منها بحثاً عن الآثار والذهب والمجوهرات".

ونشير هنا إلى أن تلك الفترة الزمنية التي أشار إليها السيد عبد الرحمن ؛ إنما كانت تتعلق بفترة الإحتلال الخديوي المصري للأراضي السودانية ما بين عامي 1821م و 1885م .. وحيث تؤكد بعض الكتب التاريخية بالفعل تورط العديد من حكام السودان "الباشوات" ، وقادة جيوش الخديوية المصرية خلال تلك الفترة في تجارة وتسهيل تهريب الآثارالسودانية التي جعلت من بعضهم مليونيرات في بلادهم لاحقاً.
 

 وعن تأسيس صناعة السياحة في السودان . أشار السيد/ عبد الرحمن عمر إلى أن دولة قطر قد خصصت للسودان مبلغ 135 مليون دولار ، لدعم هذه الصناعة وتجديد وحماية الآثار السودانية .... وبرغم ذلك فلايزيد عدد السياح للسودان عن 15,000 سائح في العام.

 ويذهب المصور المحترف "ايريك لافيرغيو" ‘لى الظن بأن صناعة السياحة في السودان قد تعرضت في الفترة الأخيرة إلى الدمار بسبب العقوبات المفروضة عليه جراء الصراع بين الحكومة ومليشيات مسلحة في إقليم دارفور.

 

وربما كان لافيرغيو يعني بذلك توقف التمويل والدعم المالي المبذول للحفاظ على الآثار السودانية  المكتشفة ؛ والتنقيب عن المزيد منها من جانب المنظمات العالمية وعلى رأسها اليونسكو. 

إذن يبقى الواقع الأكثر إيلاماً هو أنها اليوم قد أمست آثاراً قابعة في وسط الرمال دون سـواح . وحيث لا يتجاوز عدد السياح الذين يزورون السودان طوال العام (في المتوسط) عن 15,000 سائح.

إن الأثر الأكثر تحكماً في قلة عدد السياح لموقع أهرامات وآثار مروي ؛ يظل من وجهة نظري هو أنها اليوم وسط صحراء شاسعة قاحلة ... وأن المسافة بعيدة بينها  وبين العاصمة الحالية الخرطوم التي تتوفر فيها وحدها كافة الوسائل والإمكانات اللازمة لإستقبال وإستضافة أفواج سياحية أوروبية أو شرق آسيوية وعربية بترولية..

ولكن لا يزال السفر والوصول إلى موقع آثار حضارة مملكة مروي من الخرطوم شاقاً ومحفوف بالمخاطر والمصاعب ... والأمر يحتاج إذن إلى الدفع بمزيد من الإستثمارات لتعبيد الطرق وتأمينها وتوفير كافة متطلبات رحلة ألـ 200 كيلومتر من الخرطوم إلى مروي القديمة وبالعكس ؛ وغير ذلك من متطلبات صناعة السياحة كالإستراحات المزودة بالكافتريات و، سيارات الإسعاف ، ومحطات للتزود بالوقود .. وفنادق وشاليهات فاخرة وشعبية متفاوتة الأسعار .... إلخ . فقطاع السياحة اليوم أصبح "صناعة".... ولم يعد الحصول على دعم وإطراء اليونسكو وحده كافياً.

كذلك يظل المطلب بأن تتولى الحكومة وحدها مهمة "الشركة السياحية" .. و "المرشد السياحي" .. تظل مثل هذه الأفكار عقيمة وقد عفا عليها الزمن .... فالسياحة اليوم يجب أن يترك أمرها إلى الشركات الخاصة . ويقتصر الدور الحكومي على تهيئة البنى التحتية وتوفير الأمن والحماية . ثم الإكتفاء بجني الرسوم السياحية فقط كمدخول من مداخل السياحة التي ترفد الخزينة العامة . فضلاً عن العملات الصعبة التي تدخل البلاد عبر القنوات الرسمية وليس إلى جيوب السماسرة.
وبنحو عام .. نؤكد أنه لو "صدقت النوايا" . فمن السهل دائماً بناء الأوطان.

كذلك لاحظنا في فترة من الفترات .. وربما لا يزال حتى تاريخه ... لاحظنا هجوماً إعلامياً غير مبرر على الدعم القطري لمجال السياحة في السودان والتشكيك في طبيعته وأهدافه .. كل هذا رغم أن قطر ليست في وارد إستراتيجيتها إدارة صراع حضاري مع السودان للهيمنة عليه أو لهضم حقوقه والسطور على أراضيه .. ولا توجد أسباب وأسس لتوجسات في هذا الجانب .. فلا نحن جيرانها حتى تتوسع على حسابنا ؛ ولا يجمع بيننا نهر خالد أو أراضي ومدن متنازع عليها .

إذن لانستبعد هنا أن مثل هذه الأقلام (السودانية وغيرها) ؛ التي تحاول أن تثير الشكوك في كل عون يأتي لنا من الخارج لمصلحة توثيق تاريخ البلاد وحماية آثارنا .. لانستبعد أن تكون هذه الأقلام مأجورة لمصلحة جهات أجنبية ؛ هدفها طمس ووأد كل مسعى حقيقي جــاد لتكريس هوية سودانية مستقلة بذاتها متجذرة في عمق تاريخ البلاد.

ويبقى الملفت للإنتباه ؛ أن بعض المواقع الألكترونية المصرية قد سارعت إلى تلقف محتوى تقرير المصور لافيرغيو المشار إليه لتعزيز مزاعم البعض هناك بأن السودان أرض تابعة للأملاك المصرية....... وأقدمت على إقحام بعض التحريفات على هذا التقرير  ليس أقلها الزعم بأن هذه الأهرامات التي يشملها موقع مروي إنما هي آثار مصرية تولى فراعنة مصر تشييدها داخل السودان ؛ وبما يكرس لمفهوم ونظرية أن الأراضي السودانية تابعة لمصر .
إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هذا المجال هو :
طالما كان الهدف من بناء الأهرامات هو دفن الملوك داخلها وتخليدهم (حيث لاخلود في هذه الحياة) .. فلماذا تتكبد جثامين فراعنة مصر وأهلهم مشاق السفر في رحلة محفوفة بالمخاطر ؛ تدوم شهوراً كي تدفن بعيداً عن موطنها الأصلي؟

من جهة أخرى فإن مثل هذا الزعم ينفي وينسف تماماً من جهة أخرى إتهام كتاب التاريخ المصري القديم للقبائل السودانية بأنها كانت تهاجم جنوب مصر للنهب والسلب .. فكيف تقدم مصر الفرعونية القديمة على دفن بعض ملوكها مصحوبين بالذهب والحلي والحلل في عمق أراضي هذه القبائل على بعد ألاف الكيلومترات . وهي التي تشكو من النهب والسلب داخل أطراف حدودها الجنوبية مع السودان على بعد خطوات من أسوان؟
كيف يستقيم هنا أن تعطي مصر للقط مفتاح الكرار؟

وطالما أن الحديث بالحديث يذكر ؛ فإن الذي أنبه إليه هنا هو تلك "السذاجة" الزائدة عن الحد لدى بعض كتابنا ومؤرخينا في هذا الزمان خاصة .... فقد سارع هؤلاء البلهاء إلى تلقف مصطلح "الفراعنة السود" . وأصبحوا يتداولونه في التوثيق والإشارة والحديث عن ملوك السودان القديم خاصة "ملوك نبتة" و "ملوك مروي".

واقع الأمر ؛ فإن التسليم بمثل هكذا مصطلحات ومسميات لا لشيء سوى أنها صادرة من صحفيين وعلماءآثار أجانب .. يظل التسليم بمثل هذا بمثابة "تكريس" لمزاعم مجحفة بأن كل من حضارتي نبتة من جهة ومروي من جهة أخرى إنما كانتا جزءاً من الحضارة الفرعونية المصرية القديمة.

الذي ينبغي التركيز عليه هنا إذن ؛ هو ضرورة أن تظل التسمية الحقيقية الرسمية المتداولة لهؤلاء السودانيين هي أنهم "ملـوك" وليسوا "فراعنة".

تسمية "فراعنة" مرتبطة فقط بالإشارة إلى ملوك وحكام مصر .. ونراها لاتزال حتى يومنا هذا تنداح في وصف حكامهم...... وبمثلما جرى الإصطلاح على ملوك فارس بالأكاسرة . والروم بالقياصرة.

في السودان كان ولا يزال المصطلح والتسمية المتداولة هي "ملك" و "كنداكة" و"مك" و "سلطان"  و "شيخ" و "ناظر" و "رئيس" و "خليفة"....... ولا نزال حتى اليوم نتداول هذه المسميات والمصطلحات في وصف حكامنا وولاة أمورنا في المركز والمحليات والقبليات. وبما يدل على أنها المسميات الوحيدة التي توارثناها عبر الأجيال في بلادنا منذ الأزل. 

ويظل الهدف هنا دائما ليس الإثارة ؛ بقدر ما هو أن يأخذ كل ذي حقه دون تطفيف... ولانسمح أن يبخسنا الناس أشياءنا.