الأحد، 12 يناير 2014

بشارات مولد الحبيب المصطفى (حلقة 3/3)


بشارات مولد الحبيب المصطفى

(الحلقة 3/3)

مصعب المشـرّف:

 

الله أعلم حيث يجعل رسالته:

ومن طرائف ما يروى في البشارات بمولده صلى الله عليه وسلم أن أربعة نفر من قبيلة بني تميم خرجوا يوما في سفر . فلما شارفوا الشام نزلوا على غدير عليه شجيرات يستريحون ويتسامرون ، فسمع كلامهم راهب فجاء إليهم فقال:

  • إن هذه لغة ليست بلغة اهل هذه البلاد .
  • فقالوا له: نعم نحن قوم من مُضَر ،
  • فقال الراهب: من اي المضرين؟
  • قالوا: من خِنْدف .
  • قال: اما انه سيبعث وشيكا نبي خاتم النبيين ، فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا .
  • فقالوا له: ما أسمه؟
  •  قال: إسمه محمد .
    فرجع هؤلاء إلى ديارهم . فلما ولد لكل واحد منهم ولد سارع فاسماه محمداً طمعا في أن يكون هو النبي المبشر به.
    بشارة الأوس بن حارثة بن عامر (جد الأوس):
    كان الأوس والخزرج في الأصل شقيقان يمنيان ينتميان لقبيلة حِمْيَرْ . فكان للأوس ولد واحد إسمه مالك ، وكان للخزرج خمسة أولاد ذكور . فعلم الأوس من بعض الكهنة أنه سيكون من صلبه وصلب أخيه الخزرج قبيلة تحمل إسمه ؛ وأخرى تحمل إسم أخيه. يكتب لهما نصرة خاتم الانبياء وسيد المرسلين فتنالان بذلك شرف الدنيا والآخرة .
    فقيل أنه لما حضرت الوفاة الأوس اجتمع حوله بعضهم ومن اهله . فقالوا له يلومونه :
  • إنه قد حضرك من أمر الله ماترى ، وكنا نأمرك بالزواج في شبابك فتابى ، وهذا أخوك الخزرج له خمس بنين ، وليس لك غير ولدك "مالك" .
    فقال لهم الأوس :
  • لن يهلك هالك ترك مثل مالك ، إن الذي يخرج النار من الوثيمة (الحجارة) قادر أن يجعل لمالك نسلاً ورجالا بُسُلاً وكلٌ إلى الموت.
    ثم أدنى ولده مالك إليه ، وظل ينصحه ويوصيه . وارتجل قصيدة من عدة أبيات جاء في ختامها قوله:
    ألم يأت قومي أن لله دعوة    .....     فوّز بها اهل السعادة والبرّ
    إذا بعث المبعوث من آل غالب ....    بمكة فيما بين مكة والحِجْرِ
    هنالك فأبغوا نصره ببلادكم   .....     بني عامر إن السعادة في النصر
    ثم أسلم الروح.
    ومن المفارقات ان تعداد قبيلة الأوس من ظهر مالك كان في يثرب يوم ظهر الاسلام أكثر عددا من تعداد الخزرج .
     
    قصة أم قتال بنت نوفل وقيل فاطمة الخثعمية:
    ذكر إبن كثير في مؤلفه البداية والنهاية عن إبن إسحق قوله :
    (أنه عندما أخذ عبد المطلب بن هاشم إبنه عبد الله لتزويجه ؛ مرّا على الكعبة المشرفة في طريقهما . فاستوقفت عبد الله إمرأة يقال لها أم قتال من بني اسد بن عبد العزى ... وهي شقيقة ورقة بن نوفل (المعروف). فنظرت في وجهه (وكان فيه نور مضيء). فسألته إلى أين يذهب ؟

  • فقال لها عبد الله: مع ابي
  • قالت: لك مثل الإبل التي نُحِرَتْ عنك وَقَعْ عَـلَيّ الآن (تقصد يضاجعها فوراً ).
  • فقال لها عبد الله : أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه.
    ثم أسرع عبد الله يلحق بأبيه . فتوجه به حتى دخل على وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر (أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم) . وكان وهب حينذاك زعيم بني زهرة وسيدهم وقد تقدم به السن فخطب عبد المطلب السيدة أمنة بنت وهب لإبنه عبد الله ، ودخل بها عبد الله فحملت بسيد الخلق.
    وبعد انقضاء ثلاثة ايام من إقامة عبد الله بن عبد المطلب مع عروسه خرج يريد تجارته وأعماله . فالتقى في طريقه مرة أخرى بأم قتال التي سبق وأن عرضت عليه مائة من الإبل إن هو ضاجعها ؛ فلم تهتم به فقال لها:
  • مالك لا تعرضين عليّ اليوم ما كنت عرضت بالأمس؟
    فقالت له:
  • فارقك النور الذي كان معك بالأمس ؛ فليس لي بك حاجة .
     
    ويقال بل كانت تسمع من اخيها ورقة بن نوفل ؛ أنه قد آن أوان مولد نبي آخر الزمان . فتوقعت ان يكون في صلب عبد الله بن المطلب لِمَا عُرفَ عنه (حين تكوّنت النُطْفَة)  من النور في جبهته ؛ وقيل وجهه بأكمله .
    وكانت بعض نساء السادة زعماء العشائر ؛ وكذلك الوجهاء والأثرياء في قريش بمكة يتداولن في جلسات الفراغ والدعة الخاصة بينهن ظاهرة النور الذي يحمله عبد الله في وجهه وجاذبيته ، وكُنّ يعترضن طريقه كثيرا بهدف إغوائه إعجابا به . ولكن الله عز وجل عصمه منهن لأمر كان مفعولا ... ولا راد لأمره عز وعلا .
    ومن ثم فكانت أم قتال بنت نوفل تطمع أن تكون هي أم سيد الخلق ... ومن جهلها وجاهليتها تظن ان الله عز وجل يمكن أن يجعله من لقاء حرام في رحم حرام  من مال حرام . فاعترضت طريق عبد الله بن عبد المطلب حين علمت بأنه ذاهب للزواج من آمنة بنت وهب ...
    وهكذا جعله الله عز وجل في أشرف عنصر واطيب أصل ونسب وحسب . وحيث يقول عز وجل (الله أعلم حيث يجعل رسالته) 124 الأنعام . فكان بذلك خيار من خيار من خيار حتى ظهر آدم عليه السلام ورحم حواء رضي الله عنها.
    وهناك رواية أخرى تذكر أن عبد الله بن عبد المطلب عندما أخذه أبيه لتزويجه بالسيدة آمنة بنت وهب رضي الله عنها ؛ اعترضت طريقة إمراة يهودية كاهنة إسمها فاطمة بنت مُـرْ الخثعمية ، فرات النور في وجهه فقالت له:
  • يا فتى ؛ هل لك أن تقع عليّ الآن واعطيك مائة من الإبل؟
  •  فقال لها عبد الله:
    أما الحرام فالممات دونه                والحِلُّ لا حِلّ فأستبينه
    فكيف بالأمر الذي تبغينه                يحمي الكريم عرضه ودينه
    ثم أنه بعد دخوله على السيدة آمنة بنت وهب خرج بعد ثلاث ليال. فروادته نفسه للكاهنة طمعا في الإبل فذهب إليها فقالت له:
  • ما صنعت بعدي في تلك الليلة ؟
    فأخبرها بأمر زواجه.
  • فقالت له: والله ما أنا بصاحبة ريبة ، ولكني رايت في وجهك نوراً فاردت أن يكون فيّ . وأبى الله إلاّ أن يجعله حيث أراد . وأنشدت في ذلك شعرا مُطـوّل.
     
    قـصة الكتابي اليمني:
    ومن بين القصص الأخرى أن عبد المطلب بن هاشم خرج إلى اليمن ضمن قافلة رحلة الشتاء فنزل على حبر من اليهود ، قال عبد المطلب:
  • فقال لي رجل من اهل الكتاب : يا عبد المطلب أتأذن لي ان أنظر إلى بعضك؟
  • فقال عبد المطلب : نعم إذا لم يكن عورة.
  • قالك ففتح إحدى منخري فنظر فيه ، ثم نظر في الآخر فقال:
  • أشهد أن في إحدى يديك ملكا ، وفي الأخرى نُـبُـوّة ، وإنا نجد ذلك في بني زهرة فكيف ذلك؟
  • قال عبد المطلب : لا أدري.
  • قال الكتابي : هل لك من شاغة؟
  • فسأله عبد المطلب : وما الشاغة؟
  • قال : زوجة.
  • قال عبد المطلب: فأما اليوم فلا.
  • فقال الكتابي: فإذا رجعت فتزوج فيهم.
    فلما رجع عبد المطلب إلى مكة تزوج هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فولدت له حمزة وصفية رضي الله عنهما . ثم زوج إبنه عبد الله بالسيدة آمنة بنت وهب (شقيقة زوجته هالة) . فولدت سيد الخلق صلى الله عليه وسلم....
    ونلاحظ هنا أن حمزة وصفية (رضي الله عنهما) أبناء عبد المطلب يكونان من جهة عم وعمّة أشرف الخلق . ومن جهة أخرى أبناء خالته صلى الله عليه وسلم .. فكانا لذلك أكثر رحماً ومودة إليه لما يجمع بين أبناء الخالات عادة من صلات المودة الخالصة والعطف المطبوع.... والشواهد والمواقف والأحداث الدالة على ذلك كثيرة ومتناثرة في مفاصل وحنايا السيرة النبوية الشريفة. ولكن نضرب صفحاً عن الخوض فيها منعاً للإطالة ، وتحاشيا لمتلازمة الخروج عن النَـصْ.   
     
    ليلة مولد سيد الخلق:
    لما كانت الليلة التي ولد فيها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ارْتَجَفَ إِيوانُ الملك كِسْـرى (الإيوان قاعة ضخمة) . وسقطت منه أَربعة عشر شُرْفةً . وخَمِدَتْ نار فارِسَ المعبودة ولم تَخْمَدْ قبل ذلك مائة عام. وغاضت بُحَيْرَة ساوَةَ (جنوب العراق).
    ومن شواهد تلك الليلة العظيمة ؛ أ، المُوبِذانُ (رئيس القضاة في فارس) ... رأىَ إِبلاً صِعاباً تقود خيلاً عِراباً قد قطعت نهر دِجْلَة وانتشرت في بلاد فارس (إيران حالياً) .
    وكان الملك كسرى قد فزع لإهتزاز الإيوان وسقوط الشرفات الأربعة عشر . وداخلت نفسه الكثير من الحيرة والتشاؤم.
    فلما أَصبح ظل مغموماً . وذهب إلى ديوان ملكه فجلس على عرشه وألبسوه التاج ؛ ثم أدخل عليه مَرازِبَـتِه (فرسانه) وأطلعهم على ما جرى . وطلب تفسيراً لذلك ...... وأثناء ذلك ورد عليه تقرير بخمود النيران في المعابد.
    ثم دخل عليه المُوبِذانُ فحكى له أنه رأى في منامه إِبلاً صِعاباً تقود خيلاً عِراباً قد قطعت نهر دِجْلَة وانتشرت في بلاد فارس.
    فقال له كسرى:
  • وأَيُّ شيء يكون هذا؟
    قال الموبذان:
  • حادث من ناحية العرب.
    فبعث كسرى إِلى النعمان بن المنذر: أَنِ ابْعَثْ إِليَّ برجل عالم ليخبرني عما أَسأَله ؛ فَأرسل إِليه بعبد المَسيح بن عمرو بن نُفَيلَة الغسَّانيّ، فأَخبره كسرى بما رأَى ؛ فقال له عبد المسيح :
  • علم هذا عند خالي الكاهن سَطِيح.
    فقال كسرى:
  • أذهب إليه وسَلْه ؛ وأْتنِي بجوابه سريعاً.
    سافر عبد المسيح حتى وصل إلى سَطِيح فوجده في الرمق الأخير على فراش الموت . فلما عرف سطيح بمقدم عبد المسيح ووقوفه إلى جانب فراشه رفع  رأسه ينظر ثم قال له :
    " عبدُ المسيح، على جَمَل مُشيح، أِتى سَطيح، وقد أَوْفى على الضَّريح، بعثك مَلِكُ بني ساسان، لارتجاس الإِيوان، وخُمُود النيران، ورُؤيا المُوبِذان، رَأَى إِبلاً صِعاباً، تَقُود خَيْلاً عِراباً، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها ، يا عَبْدَ المسيح إِذا كثرت التِّلاوَة، وظهرَ صاحب الهِرَاوَة، وفاض وادي السّمَاوَة ، وغاضَتْ بُحَيْرَة سَاوَة، وخمدت نار فارس ، فليست بابل (يقصد العراق) للفرس مقاماً ولا الشام لسطيح شاما ، يملك منهم مُلوكٌ ومَلِكات، على عددِ الشُّرُفاتِ ، وكل ما هو آتٍ آت " .
    ثم فاضت روح سطيحح بعدها على الفور.... وقيل مات سطيح بالشام عن عمر ناهز 300 سنة. وربما يكون سطيح هذا إسم لكاهن آخر معاصر لتلك الحقبة ؛ غير الكاهن سطيح اليمني الذي وردت سيرته في الحلقة الأولى من سلسلة هذه المقالة.
    أما عبد المسيح فركب راحلته وعاد من وقته إلى كسرى يَخبره بقول الكاهن سطيح.
    فقال كسرى:
  • إلى أَن يملك مِنّـا أَربعة عشر ملكاً تكون أُمور .....
    فملك منهم عشرة ملوك في أَربع سنين لا أكثر ، وملك الأربعة الباقون إِلى زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم بادت الأكاسرة عن بكرة أبيهم ؛ وأصبحوا في ذمة التاريخ.
    وآخر ملوك الفرس الأكاسرة كان الملك يَزْدجُرْدْ بن شهريار بن أبرويز بن هُرْمُز بن أنُوشَرْوان ؛ بعد أن ظل ملك اسرته مدة 3164 سنة حين تاسس على يد خيومرت بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام.
    ووادي السماوة الذي ورد ذكره في مقالة الكاهن سطيح يقع جنوب العراق . وهناك مدينة بهذا الإسم على ضفتي الفرات .. ومنهم من يقول أن وادي السماوة هو وادي الرافدين...
    والهِراوةُ التي أشار إليها الكاهن سطيح هي  العَصا، وقيل: العصا الضَّخمةُ، والجمع هَرَاوَىَ. وتسمى الهراوة الضخمة في السودان " قـَرْجَة " . ويقصد الكاهن سطيح بقوله (صاحب الهراوة) رسولَ الله،صلى الله عليه وسلم، . هكذا أخبرت به الجان الكهنة قبل أن يولد عليه الصلاة والسلام . فكان بالفعل  يُمْسِك العصا بيده كثيراً ، وكان يُمْشى بالعَصا بين يديه وتُـغْـرَزُ له فيُصَلِّي إِليها،صلى الله عليه وسلم . ومن المرسلين أولي العزم الذين حملوا العصا في أيديهم كان موسى عليه السلام أيضاً ... وقد ورد ذكر عصا موسى في القرآن الكريم . وكذلك كانت منسأة سليمان عليه السلام (والمنسأة هي العصا) . وربما كان لاشتغال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمهنة الرعي في صباه ثم ميله للخلاء أثـره في دأبه على حملها.
    وتعتبر العصا من مقتضيات الرجولة في الأرياف السودانية . ولها عدة مسميات بحسب النوع والإستعمال . والبعض يستعيض عنها بفرع صغير طري من فروع الأشجار يسمى " مُـطْـرَق ".
    وللعصا والعكاز والقرجة والمُطرق والبصطونة وحتى الشِـعـبَة إستخدامات كثيرة ؛ يهش بها صاحبها على غنمه ، ويقود حماره ويتوكأُ عليها ..... وله فيها مآرب أخرى ليس أقلها إستكمال الوجاهة مع العِمة والسِديري والجلباب ، والدفاع عن النفس في مواجهة الغائر من الناس ، والزواحف خاصة الثعابين والأفاعي ، وكذلك الوحوش كالذئاب والمرافعين والكلاب المسعورة.
    ويبقى بعد كل هذا التذكير بأن الإسلام منذ سطوع فجره قد حارب الكهانة بقوة . فجعلها والكفر صنوان داخل سلة واحدة .
    والكهانة تختلف عن السحر إختلافاً جذرياً . فهي تختص بمحاولة إستقراء المستقبل أو دلالات  وملامح منه ....
    وهي كما أسلفنا تتلقى بعض معلوماتها من الجان تارة ؛ وعلم مواقع النجوم  والأبراج وحركة الكواكب تارة أخرى ....
    وقد راجت الكهانة كثيراً قبل الإسلام . فكانت علماً قائماً بذاته وبرع فيها كثيرون .. وكان الكاهن يلقى رعاية خاصة من الملوك والحكام ويتمتع بحمايتهم .
    ولكن الكهانة بعد الإسلام لم تجد تشجيعاً وتمويلاً من الملوك والحكام . ونراها تنحصر الآن في علم النجوم والأبراج وحركة الكواكب وحدها وانقطعت صلتها بالحان على ما يبدو.
     
    (النهاية)

السبت، 11 يناير 2014

بشارات مولد الحبيب المصطفى (حلقة2)


بشارات مولد الحبيب المصطفى

 

(الحلقة الثانية)

 

مصعب المشـرّف:-

 

ملخص الحلقة الأولى:

تطرقت الحلقة الآولى إلى الرؤية التي رآها الملك البمني "ربيعة اللخمي" وفسرها له  الكاهنان "شِق" و "سطيح" وتنبأ كل منهما منفرداً بما جرى عقب ذلك من أحداث عصفت بشبه جزيرة العرب وأحدثت تأثيرات جذرية على مسار التاريخ فيها ، وعلى العالم أجمع لاحقاً .

وكان من ضمن الأحداث الخاصة بشبه الجزيرة العربية غزو مملكة أكسوم الحبشية النصرانية لليمن. ثم تحرير اليمن من حكم أبرهة الحبشي على يد سيف بن ذي يزن (عقب عام الفيل 570م) بمساعدة الفرس ، ومولد أشرف الخلق قاطبة ونبي آخر الزمان وخاتم الرسل في عام الفيل (570م).

وفي ذات السياق تتناول هذه الحلقة قصة أخرى ضمن ما جرى توثيقه من بشارات مولد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وهي قصة الملك اليمني "تـُبـّـعْ أبِي كـَرِبْ القحطاني الحِميري".

 

قصـة الملك اليمني "تـُبّـع أبي كَرِبْ"

لاتوفر المصادر التاريخية زمان محدد بدقة لفترة حكم الملك "تـبع أبي كرب" .. ولكن تتفق على أنها كانت خلال القرن الخامس الميلادي ؛ قبل غزو مملكة أكسوم الحبشية لليمن وإحتلالها ، الذي بدأ عام 525م وإنتهى على الأرجح بعد عام 570م بفترة وجيزة . وهو التاريخ الذي وافق عام الفيل.

بعد وفاة الملك ربيعة الّلخمي عاد ملك اليمن إلى التتابعة من جديد. فمازالوا يتوارثونه حتى آل الملك إلى "تـُبـّعُ أبي كَرب". وقد كان تبع هذا ذو عقل راجح يزن الأمور بميزان العقل ويميل إلى "المُسايَسَة".

وحدث أنه جرى خلاف بينه وبين أهل يثرب (الأوس والخزرج) ومن جاورهم من اليهود على الجزية السنوية التي فرضها عليهم من التمر . وقد أدت هذه الخلافات إلى إقدامهم على قتل مندوبه إليهم المكلف بحصر الإنتاج وتحصيل الجزية . فسار إليهم الملك تُبّع في جيشه العرمرم . وقد عزم على تخريب يثرب وجعلها أثرا بعد عين. فتحصن الأوس والخزرج ودافعوا عن أرضهم (والأوس والخزرج من اليمن أصلا وهم من قبيلة حِمْيَر العاربة وهاجروا إلى يثرب بعد خراب سد مأرب) .

والطريف أن الأوس والخزرج وعلى الرغم من حصار الملك تبع لهم فقد كانوا يرون في تُبّع وجيشه رَحِمَاً وأهْل . ولأجل ذلك كانوا يحاربونه بالنهار ثم يرسلون إليه الضيافة من طعام وتمر وشراب في المساء . فأعجبه ذلك منهم ، فكان يقول فيهم :

  • (والله إن قومنا لكِرَام )
    أي أنه يعترف لهم بالقرابة  وصلة الرحم .
    وعندما تسامع أهل يثرب بمقولة الملك تبع هذه سارع حبران من أحبار يهود بني قريظة لإنتهاز الفرصة وتوظيفها لمصلحتهم . فخرجا إليه يطلبان مقابلته فأذن لهما فقالا له:

  • أيها الملك لا تحاول تخريب يثرب ...  فإنك إن أبيت إلاّ ما تريد حال الله بينك وبينها . ولم نأمن عليك عاجل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.
    فقال لهما تبع: ولم ذلك؟
    قالا:
    - هي مُهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان تكون داره وقراره.
    قيل فتأثر تبع بمقال الحبرين وراجع عقله ، ومال إليهما بعد أن وجد فيهما العلم والعقل الراجح المنتهل من التوراة ؛ فجعلهما من مستشاريه. وقبل المهادنة مع أهل يثرب.
    وقيل أن الملك تـبـع حين أراد العودة إلى بلاده ، أتى إليه وفد من قبيلة "هُـذَيـْل" يجرضونه على غزو مكة وهدم الكعبة قائلين له:
  • أيها الملك ، ألا ندلك على بيت مال دائر أغفلته الملوك قبلك ، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؟
    فقال تبع :
  • بلى.
    قالوا:
  • بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده.
    فـأعجب الملك تـبــع بالفكرة وطمع في الثروة . ولكنه آثر أن يتروّى ويتبع الحكمة . فأرسل إلى الحبرين اليهوديين يستدعيهما ويستشيرهما فقال له أحدهما وإسمه "شامول":
  • إنما أراد هؤلاء هلاكك وهلاك جندك لما عرفوا من هلاك من أراد هذا البيت من الملوك بسوء . وما نعلم بيتاً لله عز وجل اتخذه في الأرض لنفسه غيره ، ولئن فعلت ما دعاك إليه الهذليون لتهلكنّ وليهلكنّ من معك جميعا.
    فقال لهما تبع:
  • فماذا تأمراني أن اصنع إذا أنا قدمت عليه؟
    قالا:
  • تصنع عنده ما يصنع أهله ، تطوف به وتعظمه وتكرمه ، وتحلق رأسك عنده وتتذلّل له حتى تخرج من عنده.
    قال تبع:
  • وهل تفعلان أنتما ذلك؟
    أجابا:
  • لا نفعل.
    قيل وكان الملكُ تـُبـّـعُ سريع البديهة لمّاحـاً حصيفاً ذكياً فقال لهما:
  •  فما يمنعكما أنتما من ذلك؟
    قالا:
  • أما والله إنه لبيت ابينا إبراهيم عليه السلام ، وإنه لكما أخبرناك ، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله وبالدماء التي يهريقون عنده ، وهم نجس أهل شرك.
    فاقتنع تبع بمقالهما وسكت عنهما . ثم عاقب وفد هُذَيْل بأن قطع أيديهم وأرجلهم . وقصد البيت الحرام فطاف ونحر وحلق وأقام بمكة ستة أيام ينحر للناس ويطعم ويسقيهم العسل ، فرأى أثناء منامه في مكة أنه يؤمر بأن يكسو الكعبة المشرفة . ففعل وكساها ثياب يمنية مخططة موصول بعضها ببعض يقال لها (المُلا والوصائل) . وأمر بتطهير البيت الحرام . وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا محايض وجعل له بابا ومفتاحا . وكان ذلك على عهد ملوك مكة من قبيلة جرهم (أخوال بني إسماعيل عليه السلام).
    وحين عاد تبع إلى اليمن اصطحب معه الحبرين اليهوديين وآمن بالتوراة لاحقاً . فدخل العديد من عرب اليمن في زمرة اليهودية ولا يزال منهم بقية حتى الآن هناك . وهذا هو سبب دخول اليهودية اليمن ؛ فهم في الأصل عرب ، وبما يؤكد الفرق بين (اليهود) من جهة وبين (بني إسرائيل) من جهة أخرى لجهة مرجعية النسب والإنتماء العرقي الواحد المزعومة ، وحيث التبس الأمر على الكثيرين في هذا الزمان فخلطوا بين الاثنين ..... فإذا كان كل يهودي هو  من بني إسرائيل عليه السلام (يعقوب) فماذا يقولون في يهود اليمن العرب العاربة من نسل حمير وقحطان ؟ لا بل وماذا يقولون في الفلاشا الحاميين؟ هل هم من بني إسرائيل الساميين؟ .. بالطبع لا... وتظل الحقيقة الناصعة أنه لا يشترط أن يكون كل يهودي منحدر في الأصل من صُلب أو أرحام أبناء إسرائيل عليه السلام..... وبالتالي تظل "سامية" اليهود (على علاتهم) محض هــراء وكذب بائن.
    .......
    وعلى أية حال نترك شذاذ الآفاق اليهود ومزاعم الصهاينة الراهنة جانباً . ونعود مرة أخرى لصلب الموضوع لنبرز بشارة الملك سيف بن ذي يزن بمولد المصطفى أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم. والتي أسـرّ بها لجدّه عبد المطلب بن هاشم .
    ..........
    بشارة سيف بن ذي يَـزَن الحِمْيَري:
    وأشير هنا إلى أنه وعلى الرغم من أن الترتيب والسياق الزمني لبشارة الملك سيف بن يزن كانت بعد مولد ومبعث أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم بسنتين .... فقد إقتضى الحرص على تماسك الموضوع في هذه الحلقات أن يتم إيراد هذه البشارة في هذه الحلقة على إعتبار أنها بشارة من بشارات مولده صلى الله عليه وسلم ؛ رغم أنه كان قد ولد فعلاً وربما كان عمره وقتها سنتين.
    بعد أن قضى سيف بن ذي يزن الحميري على دولة الحبشة في اليمن وإستعادته ملك اجداده . توافد العرب من كل القبائل إلى قصره (قصر غمدان) لمقابلته للتهنئة والمؤازرة.
    وكان فيمن أتاه وفد قبيلة قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم ، وصحبه من سادات قريش كلٌ من أمية بن عبد شمس ، و خويلد بن اسد . وجاء معهم عدد غير قليل من وجهاء قريش وأثرياءها . فاستأذنوا بالدخول فسمح لهم . وقدّم وفد قريش زعيمهم عبد المطلب بن هاشم ليتحدث نيابة عنهم . فابتدره الملك سيف بن ذي يزن بقوله:
  • إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنـّا لك.
    فتحدث عبد المطلب وأثنى عليه ومدحه وهنأه بإعادته ملك اسلافه. وعرّفه بأنهم أهل الحرم المكي الشريف . وقد قدموا وفداً للتهنئة.
    فقال له الملك سيف:
  • وأيّهُم أنت أيها المتكلم؟
    أجاب :
  • أنا عبد المطلب بن هاشم .
    فاستدرك الملك متسائلاً:
  • إبن أختنا ؟
    فأجاب عبد المطلب بإقتضاب الواثق:
  • بَـلَــىَ.
    فقال الملك :
  • أدْنُ مِنِّي.
    وهي عبارة يطلقها الملوك إذا أرادوا تقريب شخص إليهم وبما يعني الرضا عنه وترفيع شأنه المعنوي . ومن ثم قرّبه إليه واجلسه إلى جانبه . وأقبل عليه وعلى وفد قريش  بوجهه يؤانسهم  ويخاطبهم . ثم أمر بإنزالهم في دور الضيافة الملوكية الفخمة . وظلوا مقيمين بها شهراً  كاملاً تأتي إليهم مخصصاتهم من الأكل والشراب ويقوم على خدمتهم خواص الملك وخدمه.
    وبعد مضي الشهر إستدعى الملك سيف بن ذي يزن عبد المطلب بن هاشم إليه . وجلس معه وحده دون أحد آخر وقال له:
  • يا عبد المطلب إني مُفْضٍ إليك من سر علمي ما لو يكون غيرك لم ابح به . ولكني رايتك معدنه فأطلعتك عليه ، فليكن عندك مطوياً حتى يأذن الله فيه ، فإن الله بالغ أمره . إنّي أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اختزنّاه لأنفسنا واحتجبناه دون غيرنا خبراً عظيماً ، وخطراً جسيماً فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاء للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة.
    فقال عبد المطلب:
  • أيها الملك مثلك سَرّ  وبَرّ ، فما هو ، فداؤك اهل الوبر زمرا بعد زمر ؟
    قال الملك:
  • إذا وُلِدَ بـتهامة ، غلام به علامة ، وبين كتفيه شامة ، كانت له الإمامة ، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة.
    قال عبد المطلبك:
    - أبيت اللعن ؛ لقد أبنت بخير ما آب به وافد ، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته إياي ما أزدادُ به سروراً. (يقصد بطريقة دبلوماسية ذكية أن يطلب من الملك الإيضاح أكثر )
    فقال الملك سيف بن ذي يزن يوضح له أكثر :
  • هذا حينهُ الذي يُولد فيه أو قد ولد ، وإسمه محمد ، يموت أبوه وأمه ، ويكفله جده وعمّه . ولدناه مرارا والله باعثه جهاراً ، وجاعل له منا أنصاراً (يعني الأوس والخزرج لأن أصولهم من اليمن) ، يعزُّ بهم  أولياءه ويذلّ بهم أعداءه ، ويضرب بهم الناس عن عرض ، ويستبيح بهم كرائم الأرض ، يكسر الأوثان ويخمد النيران ، يعبد الرحمن ويدحر  الشيطان ، قوله فَصْل ، وحُكمه عدل ، يأمر بالمعروف ويفعله ، وينهى عن المنكر ويبطله.
     فقال عبد المطلب :
    - أيها الملك عزّ جدّك ، وعلا كعبك ، ودام ملكك ، وطال عمرك ، فهل الملك سارٌ لي بإفصاح ؛ فقد أوضَحَ لي بعض الإيضاح ؟
    فقال الملك:
  • والبيت ذي الحجب والعلامات على النُّصُب إنك يا عبد المطلب لجدُّه غير كذب.  
    فلم يتمالك عبد المطلب نفسه فخــرّ ساجداً يحمد ربــّه .
    فقال له الملك بن ذي يزن:
  • أرفع رأسك ثـَلِجَ صدرُك ، وعلا امرك ، فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك؟
    أجاب عبد المطلب:
  • أيها الملك كان لي إبن وكنت به معجباً وعليه رفيقا ، فزوجته كريمة من كرائم قومه إسمها آمنة بنت وهب ، فجاءت بغلام سميته محمداً ، فمات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه (يقصد ابا طالب) الذي كان شقيق عبد الله.
    فقال له الملك:
  • إن الذي قلت لك كما قلت ، فاحتفظ بإبنك واحذر عليه اليهود فإنهم له اعداء ، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا ، وأطْوِ ماذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك ، فإني لست آمن من ان تدخلهم النفاسة (الحسد والغيرة) من أن تكون لكم الرئاسة ، فيطلبون له الغوائل ، وينصبون له الحبائل ، فهم فاعلون أو أبناؤهم  ، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورَجِلي حتى أصير بيثرب دار مملكته ، فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن يثرب استحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره ، ولولا أني أقيه الآفات واحذر عليه العاهات لأعلنت على جداثة سنه أمره ولأوطأت أسنان العرب عَقِبَه ، ولكني صارفٌ ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك.
    وبذلك إنتهت المقابلة التي جرت بين الملك سيف بن ذي يزن وبين عبد المطلب . وظل عبد المطلب كاتماً لأسرار هذه المقابلة . فلم ييبوح بها إلاّ لإبنه "أبو طالب" قبيل وفاته وأوصاه بإبن شقيقه خيراً.
    وعند أوان رحيل وفد قريش أكرم الملك سيف بن ذي  يزن وفادتهم فأمر لكل رجل منهم بعشرة من العبيد وعشرة من الإماء وبمائة من الإبل وحُـلـّتـَيْنِ من البُرودِ (ملابس) . وبخمسة ارطال من الذهب وعشرة أرطال فضة وجراب مملوء عنبراً. ثم أمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ما منحة للرجل الواحد من الوفد . وقال له: إذا حال الحول (يعني بعد عام) فائتني ، ولكن سيف بن ذي يزن مات قبل أن يحول الحُـول.
    وعندما كانت قريش تحقد على عبد المطلب في كمية الهدايا التي تلقاها من الملك سيف بن ذي يزن وقدرها مائة عبد ومائة أمة وألف من الإبل وعشرون حلة من البرود وخمسين رطلا من الذهب وخمسين رطلا من الفضة وعشرة أجربة مملوءة عنبرا ، كان عبد المطلب يقول للملأ من قريش: لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك فإنه إلى نفاذ ، ولكن ليغبطني بما يبقى لي ولعقبي من بعدي ذكره وفخره وشرفه.
    فكانوا إذا قالوا له: ومتى ذلك؟ .. يرد عليهم بقوله: سَيـُعْلم ولو بعد حين.
    (يتبع الحلقة الثالثة)