الجمعة، 10 يناير 2014

بُشارات مَــوْلـِـد الحبيب المُصطفى (حلقة1)


 

 بُشارات مَــوْلـِـد الحبيب المُصطفى

 (الحلقة الأولى)

مصعب المشرّف:

اليشارات في الكتب السماوية:

جاء في القرآن الكريم أن الكتب السماوية (في النص الأصلي غير المُحرّف) قد حفلت بالبشارات عن مبعث سيد الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم . فقد ورد في ذلك قوله عز وجل :

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 157 - الأعراف.

﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مبين  6 - الصف

وجاء في الآية (81) من سورة آل عمران قوله وعز من قائل: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ

ومن بين تفاسير هذه الآية جاء في صحيح البخاري عن إبن عباس رضي الله عنهما قال: ((ما بعث الله  نبيا إلا أخذ عليه الميثاق ، لئن بُعث محمدٌ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه . وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه)).
 
البشارات في شبه جزيرة العرب:

لم يكن العرب في صحراء شبه الجزيرة قبل مبعث النعمة والرحمة المهداة أهل كتاب . ولكن رغم ذلك كانت الإرهاصات والبشارات بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه تتردد بين حين وآخر ..وكان أول من تنبأ بحلول أوانه هو الملك " سَبَأْ " في اليمن .. وإسمه الحقيقي عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان وجرى تلقيبه "سبأ " لأنه أول من سَبَىَ من العرب . والسَبْي هو الأسْر على اختلاف أنواعه . ومن سبأ جرى اشتقاق اسم قبيلة سبأ ومملكتها في اليمن ؛ والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم (سورة سبأ) .

وقد كان للملك سبأ هذا شِعْرٌ يتنبأ فيه بقرب مبعث سيد الخلق ويعلن إسلامه ومتابعته له . ومن ذلك ما جاء في قوله:

ويملك بـعـد قحطان نبي        تـقي جبيـنه خيـر الأنـام

يسمى احمدا ياليت أني        أعمـر بـعـد مبعـثـه بعـام

فأعضـده وأحبـوه بنـصري    بكـل مدجّـجٍ وبكـلّ رامي

متى يظهر فكونوا ناصريه    ومن يـلقاه يبلغه سلامي

وربما وبسبب تواتر هذه النبوءات وسط أبناء اليمن .. ربما لأجل ذلك رقق الله عز وجل قلوبهم للإسلام . فكانوا الأسهل في الاستجابة لدعوته صلى الله عليه وسلم ؛ حين عمّ الخبر أنحاء الجزيرة العربية بعد الهجرة . فجاءت وفودهم تترى إلى المدينة المنورة.

وعن الإمام أحمد رحمه الله متواترا عن إبن عباس رضي الله عنهما يقول: أن رجلا (قيل هو فرْوَةَ بن مسيك الغطيفي رضي الله عنه) سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ ماهو ؟ أرجل أم إمرأة أم أرض ؟ قال: ﴿بل هو رجل ولد عشرة ، فسكن اليمن منهم ستة ، وبالشام منهم اربعة . فأما اليمانيون فمَذحِج وكِنْدَة والأزْد والأشعريون وأنْمَار وحِمْيَر عربا كلها . وأما الشامية فلَخْم وجُذام وعامِلة وغَسّان .

والقبائل الأربعة المذكورة في الحديث الشريف الذين نزحوا إلى الشام هم في حقيقة الأمر "أهل سد مأرب" الذي تهدّم . أما بقية القبائل اليمنبة السِتْ فلم تهاجر حسب نص الحديث. وربما يعود سبب عدم هجرتها إلى أن سبل كسب عيشها لم تكن مرتبطة بهذا السد المنهار.


تفسير شِقّ وسَطِيحْ لرؤية الملك ربيعة:

شِـقّ : هو واحد من كبار  الكهنة في الجاهلية (إن لم يكن أبرعهم) .. ولد مشوها فكان نصف إنسان لاغير ... وإسمه شق بن صعب بن يشكر من قبيلة نزار اليمنية .

سَطِيحٌ : هو أشهر الكهنة في الجاهلية وإسمه  ربيع بن ربيعة الغساني . ولد هو الآخر مشوهاً لا أعضاء له . فكان مثل السَطِيحَة ووجهه في صدره . وقيل بل لم يكن في جسده عظم سوى راسه ومعنى السَطِيحُ هو المُنْبَسِطُ . فكان سطيح طوال عمره مُنْسَطِحاً على الأَرض لا يقدر على قيام ولا قعود . ولكنه كان إذا غضب انتفخ فقوى لحمه وجلس على هيئة كرة القدم . وقد طال عمره وعاش مائة وخمسين سنة.

والملك ربيعة المشار إليه هنا هو ربيعة بن نصر إبن أبي حارثة بن عمرو بن عامر ويتصل نسبه بلخم بن سبأ . فكان ربيعة أحد ملوك حِمْيَر التّبـَابــِعَةُ في اليمن .

وتقول الروايات أن الملك ربيعة بن نصر رأى في منامه رؤيا أقلقته فدعا كافة المنجمين ومفسري الأحلام والكهنة لتفسيرها . وعند اجتماعهم جميعهم في الموعد المضروب قال لهم : إني قد رايت رؤيا أخافتني وفزعت بها ، فأخبروني بها وبتأويلها.

  • فقالوا له: أقصصها علينا نخبرك بتاويلها.
  • قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى قدرتكم على بتاويلها ، لأنه لا يعرف تاويلها إلا من عرفها قبل ان أخبره بها.

  • فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شِقّ وسَطِيح ، فإنه ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانه بما سأل عنه.
    فأرسل الملك ربيعة إلى كل من سطيح وشق يطلب منهما المجيء إليه فكان سطيح هو أول من وصل . وعند مثوله أمامه قال له الملك ربيعة:
    - إني قد رأيت رؤيا هالتني وفزعت بها ، فأخبرني بها ، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها.

  • فقال له الكاهن سطيح: أفعل . رأيت حممة (قطعة نار) حرجت من ظلمة فوقعت بأرض تَهـِمَةْ (منخفضة) ، فأكلت منها كل ذات جُمْجُمّة .

  • قال له ربيعة: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح ؛ فما عندك في تأويلها ؟
  • قال سطيح: أحلف بما بين الحَرّتَـيْنِ من حَـنـَشْ   (الحَرَّةُ أرضٌ ذاتُ حجارة سودٍ مليئة بالثقوب كـأنَّها أحرِقَتْ بالنار) . ، ليهبطن أرضكم الحَبَشْ ، فليملكن ما بين أبْيَنَ إلى جُرَشْ (وهي مناطق باليمن).  

  • فقال له ربيعة: يا سطيح ، إن هذا لنا لغائظ موجع ،فمتى هو كائن ؛ أفي زماني أم بعده؟ 
  • فقال سطيح: لا وأبيك بل بعده بحين ، أكثر من ستين أو سبعين ، يمضين من السنين .
  • قال ربيعة: أفيدوم ذلك من سلطانهم أم ينقطع؟
  • قال سطيح: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين.
  • قال ربيعة: ومن يلي ذلك من قتلهم  وإخراجهم ؟
  • قال سطيح: يليه إرم ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك منهم أحدا باليمن .
  • قال ربيعة: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟
  • قال سطيح: بل ينقطع .
  • فقال ربيعة: ومن يقطعه ؟
  • قال سطيح: نبيٌ زكيٌ ، بأتيه الوَحْيُ من قبل العَلِيّ .
  • قال ربيعة: وممن هذا النبي؟
  • قال سطيح: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر . يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر.
  • فقال ربيعة: وهل للدهر من آخر؟
  • قال سطيح: نعم ؛ يومٌ يجمع فيه الأولون والآخرون ، يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون.
  • قال له ربيعة: أحقٌ ما تخبرني ؟
  • قال سطيح: نعم ، والشفق والغسق ، والفلق إذا اتسق ، إنّ ما أنبأتك به لحق.
    وبعد انتهاء مقابلته مع الكاهن سطيح . جاء إلى الملك ربيعة الكاهن الآخر "شــق" . فسأله على نفس النهج الذي سأل به سطيح فقال له شِق:
  • نعم رأيت حُمَمَة خرجت من ظلمة ، فوقعت بين روضة وأكَمَة ، فأكلت منها كل ذات نسمة.
  • فقال له ربيعة: ما أخطأت يا شق منها شيئا ، فما عندك في تأويلها؟
  • قال شق: أحلف بما بين الحَرّتَيْنِ من إنسان ، لينزلنّ أرضكم السودان (يعني: سود البشرة) ، فليغلبنّ على كل طَفْلة البَـنَـان (يعني: الرُخُصُ الناعم الأبيض) ، وليملكنّ ما بين أبْيَنَ إلى نـَجْـران .
  • فقال ربيعة: وأبيك يا شِقّ ، إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده ؟
  • أجاب شِـق : لا بل بعده بزمان ، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان ، ويذيقهم أشد الهوان.
  • فسأله ربيعة: ومن هذا العظيم الشان؟
  • قال شق: غلام ليس بــِدَنِيّ ولا مُدَنّ (يعني: المقَصّر في الأمور) يخرج عليهم من بيت ذِي يـَـزَنِ .(قصد بذلك سيف بن ذي يَـزَن).
  • فسأله ربيعة: أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟
  • أجاب شق: بل ينقطع برسول مرسل ، يأتي بالحق والعدل ، من أهل الدين والفضل ، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل.
  • فاستفسر ربيعة قائلا: وما يوم الفصل؟
  • أوضح شق: يوم يُجزى فية الولاة ، يُدعى فيه من السماء بدعوات تسمع منها الاحياء والأموات ، ويجمع الناس فيه للميقات ، يكون فيه لمن إتـقى الفوز والخيرات .
  • قال ربيعة: أحقٌ ما تقول؟
  • فأجاب شق: إي ورب السماء والأرض ، وما بينهما من رفع وخفض ، إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمْـض (شَكْ).    
    ..............
     ومن حِكَمِ تصريف القدر أن الملك ربيعة حين راجع نفسه بعد ما علمه على لسان الكاهنين ؛ جمع جزءا من أهله وأولاده فأرسلهم إلى العراق  وكتب بذلك إلى ملك فارس حينذاك وإسمه "سابور بن خرذاذ " فأنزلهم الملك تحت حمايته وأسكنهم في الحيرة .... ومن نسل هؤلاء جاء ملوك الحيرة فيما بعد . وكانوا حلفاء للفرس ومنهم الملك الشهير "النعمان بن المنذر" 582- 610م صاحب قصر الخَوَرْنَقْ الذي بناه له سِمْنـَار . وهو كذلك مبتدع "يوم البؤس" و "يوم النعيم" فكان إذا دخل عليه شخص في يوم البؤس قتله . ومن دخل عليه في يوم النعيم كافأه .. ثم غضب عليه الملك كسرى لأنه رفض تزويجه إحدى بناته انفة من ان تتزوج العربية العَجَمِي . فنفاه وسجنه حتى مات . وقيل قتله تحت اقدام الفيلة. وعلى إسمه سميت ورود شقائق النعمان الجميلة الألوان لاسيما اللون الأحمر القاني. لأنه كان يحبها ويرعاها .
     
     (يتبع الحلقة الثانية)

الخميس، 9 يناير 2014

الإستثمار الخليجي يخرج نهائياً من أفريقيا


الإستثمار الخليجي يخرج نهائياً من أفريقيا

 

مصعب المشرّف:

 تتزاحم نشرات الأخبار المحلية ؛ ومانشيتات الصحف الورقية في العاصمة بأخبار غاية في الأحلام الوردية عن إستعدادات البلاد لإستقبال الكثير من الإستثمارات العربية النفطية الضخمة في القريب العاجل .... وحيث نلاحظ بالفعل أن كلمة "في القريب العاجل" قد أصبحت عبارة ممجوجة بين فكي وزارة الإستثمار وبما ينطق به لسانها .... وهو ما يغذي الإنطباع أن الغرض من كل هذا الحراك الوهمي إنما دغدغة مشاعر الشعب المُحبط ؛ وتغييب وعيه في حالة من أحلام زلوط.


وما بين واقع الحال في التوجهات الراهنة للإستثمار العربي ، وأوهام وزارة الإستثمار التي لا تنفك عن "الهضربة" بها .. تبقى هذه الوزارة المثيرة للجدل منذ إنشائها .. تبقى مدعاة للسخرية ومحركة للشفـقة لسبب ما تشربت به من فساد العناصر من جهة . والسقوف الفلكية التي يضعونها كشروط وأتاوات في مواجهة المستثمر الخليجي خاصة وذلك من واقع إنطباع عام خاطيء بأن الأموال تتدفق من جيوبه كالماء ، و يبذلها بغير حساب ...... وربما لو كان لدى وزارة الإستثمار السودانية إحتكاك مباشر بهؤلاء ؛ لكانت قد أدركت أن القاعدة الذهبية لديهم هي أن "المال عديــل الــــروح" .


كثير من أموال البلاد (في هذا الظرف الإقتصادي المتردي الإستثنائي) يتم إنفاقها من جانب وزارة الإستثمار ببذخ على سفريات ، وعقد ورش وفعاليات ومؤتمرات "بيع الأوهام" ؛ والتي تنتهي إلى لا لشيء أو كما يقال "نسمع جعجعة ولا نرى طحناً".

ويبدو أنه لن يطول بنا الزمان كثيراً حتى يتحول إسم وزارة الإستثمار إلى "وزارة حشّاش بي دِقنو" .... وما بين هنا وهناك وهُنوك ، وباكر وبعد باكر ، والقريب العاجل ، وخلال عام 2014 ؛ وللحـول الجايي ، يحلها ألف حـلاّل ....... و يا سوداني لا تحزن.


وما بين المشار إليه أعلاه من أوهام عالقة . فقد أفـاد تقرير لوكالة رويترز للأنباء صدر باللغة الإنجليزية من لندن على خلفية ملخص دراسة قامت بها مؤسسة تشاتام هاوس ... أفاد أن دول الخيج العربي النفطية الغنية قررت الخروج نهائيا من عملية الإستثمار الزراعي والغذائي في أفريقيا . والإستثمار عوضاً عنها في الدول الأوروبية والولايات المتحدة ، وأستراليا وكندا . وذلك لعدة أسباب واقعية على الرغم من أن الإستثمار الزراعي والحيواني هناك أكثر كلفة . ولكنه يظل مضمون الإستقرار والإنتاجية والربحية والإستمرار.

والطريف أن الذي يلاحظ في القارة الأفريقية ؛ أن القانون يظل تابعاً ومطية للحاكم وليس العكس .... وحين نشير إلى الحاكم هنا فهذا يشمل الرؤساء ووزارات المالية والبنوك المركزية  والحكومات المحلية والولائية ... إلخ . على مختلف الوزارات والأصعدة في الحكومات المركزية والأقليمية ، والإدارات المحلية والمناطق القبلية ....... وهو ما يُمَكِّن من وصف هذه الأنظمة السياسية والمحلية الحاكمة بأنها مافيا مُنقّبة أكثر منها أجهزة حاكمة واضحة المعالم أو تتســم بالشفافية.

ومن ثم فلايتوقع حصيف أو درويش أن يقدم مستثمر أجنبي على ضخ ملياراته النقدية في مثل هذه البيئات المزمنة الإحتقان والفساد السياسي والإداري . ثم والبالغة التعقيد لجهة المكونات القبلية للسكان المحليين ، الذين يرون في مثل هذه الشركات الإستثمارية بمثابة الشيطان الذي ينزع منهم أراضي أجدادهم ؛ ويستجير بالقوات النظامية من شرطة وجيش وأمن للتغول على حقوقهم وممتلكاتهم التاريخية ، والتي تشكل بالنسبة لهم من ناحية أخرى مصدراً إستراتيجياً لتأمين إمدادهم بحاجاتهم الإستهلاكية السنوية من الحبوب الغذائية ، والأعلاف لحيواناتهم ، ولتجميع حطب الوقود.... إلى غير ذلك مما تجود به الأرض من ثروات تفي بحاجة السكان المحليين في الأرياف ، وتغنيهم عن نقصان السيولة النقدية.


وتشير التقارير أن الدول العربية النفطية الغنية كانت قد شرعت في إستثمارات ضخمة بأفريقيا إبتداء من عام 2008م ؛ عقب إرتفاع أسعار العقود الآجلة للعديد من السلع الغذائية الإستراتيجية وأهمها الحبوب ؛ والتي نجمت عن تعرض الدول المنتجة الكبرى في شرق آسيا وأستراليا وأمريكا الشمالية إلى ظواهر جوية طبيعية طارئة أدت إلى تدني الإنتاجية مما حتم على تلك الدول فرض قيود صارمةً على تصدير منتجاتها الزراعية لفترة.

وقد كان من ردود الأفعال التي إتخذتها هذه الدول النفطية تشجيع الشركات المملوكة لصناديقها الإستثمارية أو المدعومة والتابعة لها لشراء أراضي شاسعة صالحة للزراعة في أفريقيا لتنفيذ ما سمي آنذاك بـ "خطة تحقيق الأمن الغذائي الإستراتيجي" لهذه الدول ... ومن بين الأمثلة هو شراء شركة جنان الظبيانية 160 ألف فدان دفعة واحدة من الأراضي الصالحة للزراعة في مصر لتوفير سلعة القمح ، وأعلاف للماشية المنتجة للألبان داخل إمارة أبوظبي. 

وقد أفادت وكالة رويترز أن الدول العربية النفطية الغنية وهي السعودية والكويت والأمارات العربية وقطر ؛ كانت تأمل أن تتيح لها الإستثمارات في أفريقيا ؛ أن تتيح لها إستغلال سلال غذائية كبرى تجنبها تقلبات الأسعار العالمية في الحبوب الغذائية الإستراتيجية .. ولكن الواقع سجل فشلاً منقطع النظير لسبب الفساد الأسود المستشري في دول القارة.

وفي الفترة الأخيرة فقد إشترت شركة الطاهرة الزراعية الأماراتية ثمان شركات زراعية في جمهورية صربيا بقيمة 400 مليون دولار.

وبحسب وكالة رويترز وفي هذا الإطار ؛ تبرّر الشركات الإستثمارية العربية شبه الحكومية أو التي تتلقى دعما وسندا حكوميا فاعلاً في منطقة الخليج العربي .... تبرّر توجهها للخروج نهائياً من أفريقيا للأسباب التالية:

  1. كثرة الخلافات والتوترات السياسية التي تتحول عادة إلى أشكال من العنف المسلح بخلفيات قبلية . في حين تتميز الدول الأوروبية وفي أستراليا وكندا بقلة مشاكلها السياسية وغلبة المؤسساتية في جهازها الإداري العام.
  2. توجه السلطات في أفريقيا إلى إنتزاع الأراضي الإستراتيجية والزراعية من السكان المحليين بالقوة . وبيعها إلى الشركات الإستثمارية العربية دون رضا أو مشاورة وتعويض هؤلاء السكان .. وغالباً ما يتم البيع بأسعار رسمية معلنة رمزية ... ولكن نظير عمولات وأتاوات فلكية تحت الطاولة ، تذهب مباشرة إلى جيوب وخزائن وحسابات بعض المسئولين في هذه الحكومات.
  3. تدهور الأوضاع الأمنية المستمر وضعف البنى التحتية في أفريقيا تؤثر سلباً على العديد من المشروعات لجهة إستمرار العمل بها ناهيك عن تعرضها للخسائر. وناهيك عن السلب والنهب المسلح للمواشي والمخازن وإختطاف العاملين والتهديد بقتلهم أو إطلاق سراحهم نظير فدية مالية.
  4. وبوجه عام فقد توافقت كافة الدراسات الإقتصادية الفنية التي أجريت في الفترة الأخيرة على أنه من المستحيل تقريباً تنفيذ مشروعات كبرى قابلة للنجاح والإستمرار في أفريقيا في ظل ضعف البنى التحتية . وسوء وسائل الري والتقنيات غير المتطورة في كافة المجالات المساعدة . ويشمل ذلك وسائل النقل والشحن في مواني التصدير.

الجمعة، 3 يناير 2014

المضحك والمبكي في أزمـة الهَـويّـة الماثلة

 

المضحك والمبكي في أزمـة الهَـويّـة الماثلة

 
مصعب المشرّف:

 
 يثير بعضنا الشفقة (خاصة في المجال الإعلامي) حين يصفنا بأننا شعب أسمر .... ولا أدري إذا كنا نحن بألوان بشرتنا هذه ندخل ضمن تصنيف الشعوب السمراء . فما هو لون الشعب المصري مثلاً ؟ وما هو لون شعوب شبه الجزيرة العربية؟ هل هم بيض البشرة؟ .. بالطبع لا .

فإذا كان هؤلاء يصنفون عند البعض السوداني على أنهم من أصحاب البشرة البيضاء .. فما هو لون شعوب الغرب الأوروبي البيضاء كالإنجليز والألمان؟

أخشى أن تتفتق عقول البعض المتشبث واهماً بلون الدلع الأسمر ... فيصنف الخواجات على أنهم من أصحاب بشرة (ناصعة البياض) بلون ريش طيور الجنة البيضاء التي توجد (حصرياً) في أشجار الفردوس الأعلى.
 
ثم أنه إذا كان الشامي والمغربي ، والمصري ، والبدوي في شبه الجزيرة العربية بيض البشرة (كما يراهم بعضنا) . فلماذا إذن يرهق هؤلاء أنفسهم ويتعبونها في التغني والغزل في اللون الأسمر ؟

هل يتغنى هؤلاء العرب (البيض) من الخليج إلى المحيط في سمارنا نحن (السودانيين) أم ماذا؟

ثم أننا إذا كنا أصحاب بشرة سمراء كما يظن بعضنا .. فلماذا نحمل مسمى "سوداني" الذي يعني في اللغة العربية صاحب البشرة السوداء؟

ربما يتوجب والحالة النفسية كذلك لدى بعضنها من الإرهاق والتشويش وعمى الألوان ، ربما يتوجب أن نعمد إلى تغيير إسم "جمهورية السودان" ليصبح  "جمهورية السُمران" .. وهكذا يطلقون علينا بعد بضع سنوات مسمى "سُمراني" عوضـاً عن "السوداني".

 والأمر في الجانب الأعمق لا يقف عند حد "الشفقة" وحدها ؛ بقدر ما يعتبر معرقلاً  نفسياً لقدراتنا ونجاحات خطط التنمية البشرية والإقتصادية ؛ وسبب رئيسي من أسباب فشلنا المزري حتى تاريخه في التوصل إلى قناعة موحدة بماهية هويتنا الحقيقية الواقعية التي ينبغي علينا البناء فوقها للنهوض من كبوتنا المزمنة وسط الشعوب العربية والأفريقية على حد سواء .. وحيث نلحظ أننا كلما تقدمنا متراً تراجعنا القهقرى أمتار في كافة مناحي الحياة من إقتصاد وأخلاق وقناعات وثقافة .. نلتقط من العرب أسوأ ما عندهم ومن الأفارقة أبشـع ما لديهم ... ثم نكتشف بعد فترة أن هذا العربي لا يصلح لنا ؛ وأن ذاك الأفريقي لا يضيف لنا شيئاً بقدر ما يسلبنا ويزيدنا تخلفاً وتراجعاً في كافة المجالات ، وفقداناً للأمن والإستقرار ، وتهتكاً في النسيج الإجتماعي.
 
 
يبدو أن موقعنا الجغرافي في وجه القارة الأفريقية المتجه صوب شبه الجزيرة العربية ، والذي يمنح ظهره ومؤخرته في الوقت نفسه لأفريقيا (أنظر الخريطة) ... يبدو أن هذا الموقع والتوجه المزمن قد كان له أثره البالغ في الإنفصام والتشويش على هويتنا على هذا النحو الذي لا نزال نعاني منه.

إتصلنا حضارياً ومنذ آلاف السنوات بمصر واليونان والرومان .. وكان لهذا الإتصال إيجابياته وسلبياته .. ولكن الإيجابيات حتى عهد قريب كانت تطغى على السلبيات .. والسبب أن إندياح رياح التطور والتغيير التي يفرضها هذا الإتصال لم يكن بالسرعة الصاروخية التي هي عليه الآن في علاقتنا بمصر والغرب الأوروبي ....
 
قديماً ولأسباب ترتبط بتكنولوجيا الإتصال كان التغيير يأخذ وقته وعلى نحو يجعل من المقيم يبتلع الوافد ويهضمه على مهل ليستفيد منه ويلفظ الفضلات التي لا تصلح له .... لكننا اليوم أصبحنا نتقبل الكثير من السلبيات ونبتلعها سريعاً بقشورها ونواتها ؛ ومن دون أن نفكر في ما إذا كانت كلها أو بعضها تصلح لنا أو لا تصلح .....

وعلى سبيل المثال فإنه وفي الوقت الذي حرّم فيه الفقيه الأزهري ما يسمى بالزواج العرفي في مصر ؛ أخذنا نحن بهذا الزواج من مصر وفعلنا به الأفاعيل . وخسرت آلاف الفتيات نصف حياتهن الإجتماعية بسببه . ولم يستفيد من ذلك سوى الذكور بما مارسوه من جنس مجاني ... ثم أطباء جراحة التجميل والنساء والولادة بما جنوه من أموال وثروات نظـير قيامهم بإجـراء عمليات الخياطة وزرع غشـاء البكارة.
 

حتى المأكولات المصرية والمشروبات والتبغ البلدي (المعسّـل) الذي يجري تدخينه بالجوزة والنارجيلة إستوردناها بالطائرة مباشرة . فكان أن إستفحلت لدينا أمراض أهلكت الحرث والنسل ؛ ليس أقلها الفشل الكلوي وتلف الحنجرة والرئة وتشوهات الأجنة.

وبعد عام 1975م إتصلنا (نحن الفقراء) ببعض الشعوب العربية الغنية . فكان أن إستوردنا منها قشور الصرف البذخي الذي قد يتلاءم مع ثرواتهم ورفاهيتهم ، لكنه لا يناسب مداخيلنا . لا بل وارتفع سقف الطموحات وتكاليف الحياة والزواج وأسعار الأراضي في بلادنا الشاسعة الأرجاء دون مبرر . ثم تركنا الزراعة وحفرنا الأرض بأيدينا وأقدامنا سعياً وراء أن نصبح دولة بترولية ثرية .  فكان ما كان من مغبات فساد وسرقات وإستنزاف للثروة وحروب يعرفها الجميع ...
 
 
والأطرف من كل هذا وذاك أننا أصبحنا مولعين بلوحات السيارات ذات الأرقام الصغيرة ، وأرقام الهواتف الحلوة .. وزواج المسيار ..  وفي محصلة أخرى بتنا نرى الإناث والذكور مشغولين بتبييض البشرة وتقشيرها ، وزراعة الشعـر وتمليسه .. كل هذا على الرغم من المفارقة المضحكة التي يتركها هذا الهوس في محاكاة  العرب وتقليدهم الأعمى  . وذلك لسبب بسيط هو أن ملامح وقسمات وجوهنا ورؤوسنا وتشريح أجسادنا لا تشبه العرب والشوام في شيء ... لا بل ومقدماتنا وخصورنا ومؤخراتنا وأفخاذنا وسيقاننا وأقدامنا وحتى خطانا ومشيتنا على الأرض .. وكل جزء فينا يصرخ فينا ويردد بقوة قائلاً للدنيا "أنا أفريقي أنا سوداني".
 
 
وخلال فترة "الحلم النفطي" الذي عبر فوق رؤوسنا وتبخّـر سريعاً ، وتركنا "لقريعتي راحت " مرة أخرى .... خلال ذاك الحلم  النفطي القصير برزت ظاهرة لهفة الفتيات للزواج من البنغال والصينيين على أمل تحسين النسل والإتيان بهجين أصفر مسبسب الشعر ؛ يضاف إلى مكونات الشعب السوداني من واقع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إبـن أخــت القــوم منهــم".
 
 
 
 
وها نحن اليوم وبعد ما تسامع الناس بمعضلة اللاجيء السوري بدأت الأعناق تشرئب . ومقولات "تحسين النسل" تطل برأسها إلى الساحة من جديد لتنادي وتطالب الحكومة السودانية أن تتحول إلى "خاطبة" و "دلاّليّة" عبر فتح الباب على مصراعيه لملايين اللاجئين السوريين وتوطينهم في الشمالية الخالية ، وبعض من أجزاء الجزيرة المروية ، ونهر عطبرة ... ومنحهم الجنسية السودانية أملاً في "تحسين النسل" من جهة .. وأملاً في الإستفادة من المُزارع  والراعي السوري المتطور للمساهمة في النهضة الزراعية وتنمية الثروة الحيوانية . وغير ذلك من منتجات حرفية ومهنية أخرى يشتهر بها المواطن السوري خاصة في مجال التجارة والنسيج. 
 
وربما يكون لهؤلاء بعض الحق في ما يذهبون إليه من مقاصد . وذلك عند المقارنة بين السوري من جهة وبين اللاجيء الأفريقي للسودان من جهة أخرى . وحيث تميل كفة الميزان بالفعل لمصلحة اللاجيء السوري لو تم فتح الباب له على مصراعيه .. فاللاجيء الأفريقي الذي جاء للسودان (ولا يزال يأتي) من شرق وغرب وأدغال أفريقيا ؛ لم يضيف حضارة إيجابية متطورة لنا بقدر ما جلب لنا من مظاهر سلبية وممارسات تتمثل أهمها في تلويث البيئة والدعارة والخمور البلدية ، والسحر الأسود والشعوذة ، والأوبئة الحاصدة والأمراض المعدية ، وقطع الطرق والسلب والنهب المسلح .


أما اللاجيء السوري فهو على كل حال سيضيف جديداً ، فهو يأتي من مناطق أكثر تطوراً وتحضراً من شرق وغرب وأدغال أفريقيا ؛ وسيساهم في تحسين النسل لو تم التزاوج (في الإتجاهين) بينه وبين السوداني ، وسينتج لنا هجين جديد "يُعجب الزُرّاع" . وحتماً سيساهم في دفع عجلة الإنتاج والتطور والتنمية ؛ ويشبع غرور وتطلعات بعض القوميين العرب السودانيين ممن يلهثون خلف تمكــين ملموس للهوية العربية في السودان .... السودان الذي يعاني التأرجُـح  إن لم يكن الضياع ؛ ولا يبدو إلى هذه اللحظة منتمياً إلى هؤلاء ولا  محسوباً على أولئك.

 

الأربعاء، 1 يناير 2014

صور لكيفية قضاء الخواجات أعياد الكريسماس؟ (حلقة2)

صور لكيفية قضاء الخواجات أعياد الكريسماس؟
 
حلقة (2)

مصعب المشرّف:

قرف .... عفـــن ....  وسخ .... لواط وسحاق ، خمر ومخدرات ، شغب ووسخ ..... هذا هو الوجه الحقيقي لإحتفالات شباب الغرب الأوروبي بأعياد الكريسماس وراس السنة ... هؤلاء الذين يسعى بعضنا ويخسر السقط واللقط في سبيل تقليدهم ومحاكاتهم ؛ ولو دخلوا جحر ضب لدخلوا وراءهم فيه..... فليدخلوا جحر الضب وراءهم كما يشاؤوا فالقربة المخرومة لا تخـر إلا على رأس صاحبها. 













صور لكيفية قضاء الخواجات أعياد الكريسماس؟

صور لكيفية قضاء الخواجات أعياد الكريسماس؟

 
حلقة (1)

مصعب المشرّف:

قرف قرف .... عفـن عفـــن .... وسخ وسخ .... لواط وسحاق وخمر ومخدرات وشغب ووسخ ..... هذا هو الوجه الحقيقي لإحتفالات شباب الغرب الأوروبي بأعياد الكريسماس وراس السنة ... هؤلاء الذين يسعى بعضنا ويخسر السقط واللقط في سبيل تقليدهم ومحاكاتهم ؛ ولو دخلوا جحر ضب لدخلوا وراءهم فيه..... فليدخلوا جحر الضب وراءهم كما يشاؤوا فالقربة المخرومة لا تخـر إلا على رأس صاحبها. 

ما لان فرسانٌ لنا بل فـرّ جمع الطاغية .. (كيف؟)


ما لان فرسانٌ لنا بل فـرّ جمع الطاغية .. (كيف؟)

 
مصعب المشرف:

 
اليـــوم نـرفــع رايـــة إستقـلالـنـا

ويسطـــر التاريـــخ مَوْلـِـدَ شعبنا

يا إخوتي غــنــوا لنــا

 
الشاعر د. عبد الواحد عبد الله
 
القصيدة التي كتبها الدكتور عبد الواحد عبد الله يوسف عام 1959م . ولم يتمكن  الراحل محمد وردي من التغني بها عبر الراديو والتلفزيون إلاّ بعد ثورة أكتوبر 1964م . كانت ولا تزال المحببة إلى قلوب معظم الشعب السوداني .... والتلاميذ والطلاب منهم خاصة.
 

وعلى الرغم من أن التاريخ قد سطر مولد شعبنا منذ آلاف السنوات . وكانت النواة على يد الملك بعانخي والإستقلال الأزلي بإلهام وقيادة الإمام المهدي .. فلا مندوحة من القول أنه ووفقاً لمعطيات العصر الراهن؛  فإن إستقلال البلدان لا يتم توثيقه رسميا إلاّ عبر مصادقة هيئة الأمم المتحدة وإعتماده بغض النظر عن العضوية.
 
علم السودان الموحد بعد الإستقلال
 
هذه القصيدة التي عرفت لاحقاً بأنشودة الإستقلال ؛ ولما وجدته من صدى إستثنائي في وجدان الناس عامة وخريجي مدارس التعليم الحكومية خاصة ..... بدأت هذه الأنشودة تتعرض لبعض الهزات النقدية في الفترة الأخيرة كجزء من ظاهرة الإستفاقة الواقعية من حلم الإستقلال ، وتلاشي عقدة الإستعمار (الإحتلال ) التي عانت منها أجيال من أبناء السودان ؛ خاصة المعاصرين منهم لجزء من الحقبة الإحتلالية أو الذين نشأوا وترعرعوا في شوارع وأزقة وفيافي البلاد ، وهُم يرمقون بأعينهم البريئة المفتش الإنجليزي يجوب طول البلاد وعرضها مرتديا أبهى حلل المحتـل الرسمية فوق صهوة جواده اللامع مفتول العضلات والمسرج بعناية .

الفرح القديم ... محمد وردي


في تلك الفترة والتاليات التي تغنى فيها محمد وردي بأنشودة الإستقلال ؛ كان التلاميذ الصغار في المدارس الإبتدائية يرددون في طابور صباح يوم 31 ديسمبر من كل عام هذا النشيد "نشيد الإستقلال" بنفس اللحن الذي قدمه به محمد وردي .... وكانت الحناجر الغضة البريئة اليافعة تلتهب والحماس يتدفق بالدماء الحمراء الذكية تحت الجلد على النواصي والأقدام ..... ولكن برغم ذلك كانت هناك عقدة تكاد في موضعين من أبيات النشيد تربط اللسان ويحتار فيها عقل الصغار قبل الكبار في الفقرة الخاصة بمعركة ككري التي يستفتتحها بالقول (كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية) . وهما عند قول الشاعر:

(خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية )

ثم عند قوله:

(ما لان فرسان لنا بل فـــرّ جمع الطاغية)

ومن الضروري أن نشير أولاً  أن د. عبد الواحد عندما كتب هذه القصيدة إنما كان ذلك خلال تواجده في صفوف الدراسة بجامعة الخرطوم ... أو بما معناه أن عمره آنذاك كان بين ألـ 18 و 21 سنة ... وهي مرحلة من العمر تزدحم فيها النفس وتزخر بالكثير من التداول المليودرامي الإستثنائي للمشاعرالوطنية .... ولأجل ذلك يمكن التغاضي على نحو ما عن قوله "وشتتوا كتل الغزاة الباغية" ؛ رغم أن الواقع لم يكن يحكي ذلك ولا يقبله عقلاً بالنظر إلى المفارقة الفلكية بين الإنضباط العسكري لدى الطرفين من جهة ؛ وكذا طبيعة الأسلحة الفتاكة الحديثة التي جاء بها الجنرال كتشنر. وكانت فيما بعد مثاراً لإحتجاجات وإثارة للجدل وسط الرأي العام الأوروبي عامة . ولم يستثني ذلك حتى الرأي العام البريطاني نفسه. خاصة بعد وصول تقارير المراسلين الحربيين الغربيين ؛ بمن فيهم  الصحفي آنذاك البريطاني "ونستون تشرشل" الذي قدم صورة كارثية لمجريات تلك المعركة التي عرفت بمعركة كرري.
 
جنود الإحتلال الثنائي يستعدون للمعركة (الإبادة) في كرري

كانت معركة كرري في وصفها المجمل معركة من جانب واحد .. لم يشتت فيها فرساننا كتل الغزاة الباغية . ولكن الذي جرى ولا يستطيع عاقل إنكاره أن المكسيم ورصاص هؤلاء الغزاة أباد الصفوف تلو الصفوف من الملازمين وجنودنا وفرساننا والمليشيات والجهادية ، وكل من حمل أو لم يحمل سلاحاً في يده وجاء إلى أرض المعركة.

ما علينا فلربما كان العرب ولا يزالون يتمسحون في هزائمهم التي يحولها شعرهم إلى إنتصارات وهمية .. كانوا يتمسحون ويعتذرون للرأي العقلاني الآخر بالقول : "إن أعذب الشعر أكذبه".

ولكن البيت الذي كان يثير فينا الكثير من الأسئلة الحائرة . ونخجل من طرحها على أساتذتنا وحتى آبائنا في تلك الفترة من أعمارنا الغضة ؛ هو ذلك البيت من الأنشودة الذي يقول:-

 (مــا لان فـرســان لـنــا بــل فـــــرّ جـمــع الطــاغــيــة) !

ولكن اليوم وبعد مضي 58 سنة على إعلان إستقلال البلاد المجيد .. فإن الوقت يبدو وكأنه قد حان لطرح هذا السؤال على الملأ ؛ فمحاولة الإجابة عليه قد تفتح أبواباً من جهنم التاريخ ... ودون إعتبار لما قد يقدمه شاعر هذه القصيدة وهذا البيت بالتحديد من شرح وتبريرات إن رغب في ذلك لاحقاً .... ذلك أن الكلمة  تظل ملكاً لصاحبها طالما لم ينطق بها . فإن نطق بها لم يعد يملكها ....

ربما كان هذا البيت صادقاً لو أنه قيل ضمن أبيات أنشودة تتناول معركة شيكان أو قديــر على سبيل المثال ... ولكن نراها هنا تجافي الواقع تماما في وصفها لمعركة كرري ونتائجها التي كان أهمها سقوط السودان كالجوهرة الزرقاء الصافية ؛ وبمجانية في يد الإحتلال الثنائي ، والعبث بكل إرث الثورة المهدية المادي والمعنوي الذي طال قبة الإمام المهدي رضي الله عنه ، ولم يترك حتى جثمانه ليواصل مرقده مطمئناً في قبره.
 
 
كنت أشاهد قناة تلفزيونية لم أعد أتذكر إسمها . لكن الذي إستوقني هو حديث أحد غـُلاة الأنصار من داخل متحف بيت الخليفة التعايشي في أمدرمان .. كان هذا الرجل الأنصاري الصميم يتحدث بحماس متدفق والعبرة تكاد تخنقه وهو يردد : "الخليفة التعايشي لم يَـفـِــر كما حاول البعض الإيحاء به .. ولكنه كان إنسحاباً تكتيكيا تمهيداً لإعادة تجميع صفوف الأنصار" .....

حديث هذا الأنصاري المؤرخ (من جانب واحد) قفز بذهني إلى إستدعاء هذا  البيت المشار إليه من أنشودة الإستقلال (مــا لان فـرســان لـنــا بــل فـــــرّ جـمــع الطــاغــيــة) !.... وجعلني أكاد أصل إلى منتصف الطريق في محاولاتي فك طلاسمه منذ تلك الفترة التي كنا نردد فيه هذا النشيد في طابور الصباح بالمدرسة يوم 31 ديسمبر من كل عام ؛  ثم نعاود ترديده من داخل الفصل بعد نهاية الحصة الأخيرة وقبل الخروج فرحين مهللين بإجازة عيد الإستقلال .

إن التحليل الذي يفرض نفسه هنا لا يمكن أن يخرج عن ثلاث:

1)  أن الشاعر قد قال هذا البيت لمجرد إستدرار الحماس الطلابي داخل حوش الجامعة . وذلك من واقع أن القصيدة إنما كتبها (عام 1959م ) للمشاركة بها في مسابقة خاصة بمناشط الطلاب داخل حوش الجامعة.... وحتماً لم يكن يدور في خلده أن هذه القصيدة سيكون لها فيما بعد هذا الصدى الإستثنائي . .... وتحجز له على صغر سنه مقعداً مريحاً إلى جانب الشاعر أحمد محمد صالح مؤلف كلمات السلام الوطني ، والعقيد علي مرجان ملحن هذا السلام.
 
ررر
2)  أن (الشعب) في تقبله لهذا البيت ؛ وإصراره على ترديده إنما يرفض قبول الهزيمة في دواخله . ويسعى إلى لفظها وخلق مشهد آخر (من نسج الخيال الوطني) كان يتمناه في قرارة نفسه ..... وأن هذه الحالة النفسية ( من الإنفصام المؤقت )  قد تلاقت دوافعها الكامنة بين القائل والمتلقي.

3)  أن (الشاعر) قد قصد بهذا البيت القدح في  مكانة الخليفة عبد الله التعايشي ؛ وما يعتقده من تخليه عن جنده هو وحاشيته المقربة له . لاسيما وأن وصف (الطاغية) هنا يتماشى مع معظم الآراء والأقلام في توجهها للتأريخ لعبد الله التعايشي بأنه كان طاغية وأنه أفسد ثمار الثورة المهدية . وكان سبباً في تفكير الخديوية المصرية والملكة فكتوريا بإعادة إحتلال السودان .... فهل كان الشاعر يقصد بالطاغية هنا الخليفة عبد الله التعايشي ؟ ..  أو بما معناه أن الترجمة التاريخية لهذا البيت إنما تكون (ما لان فرسان المهدية ولكن فـرّ الطاغية عبد الله التعايشي هو وحاشيته من أرض المعركة) ..... وعلى أية حال فإنه إن فــرّ الخليفة أو لم يفــر؛ فإن المعركة كان لابد لها أن تحسم بتلك الطريقة والنتيجة التي كان السبب الأول فيها هو غياب الإستعداد والتخطيط العسكري السليم للمواجهات على الأرض وإختيار الوقت المناسب.  
 
 
سيظل الخليفة التعايشي مثيراً للجدل ....  وستظل معركة كرري الأكثر إثارة للجدل في تاريخنا ؛ والأكثر جلباً للتحسر وإستدراراً للدموع والأسى ، بوصفها كانت مجزرة تعرض لها أجدادنا ، دون أن يكون لهم الخيار والدافع سوى حب هذا الوطن ، والإنقياد بالولاء والطاعة العمياء لخليفة الإمام المهدي لا لسبب سوى أنه "الخليفة" بغض النظر عما إذا كان هو أو أبنائه على خطأ أو صواب .....

ولكن هل يمكن أن يكون هذا ديدن الشعب السوداني على مر الزمان ؟ أم أننا بحاجة إلى تأصيل قواعد من واقعية التناول ، وحرية الرأي وسلامة التفكير ؛ وشفافية المحاسبة بعيداً عن الدروشة والبلاهة ؛ ولما نعاني منه لجهة قلة التجربة الإحتكاك بالخارج المتحضـر في ظل فقر الإلمام باللغات الأجنبية الرئيسية الجاري لدى النشء والشباب ، والحصار ... وقبل كل هذا وذاك غياب قيادات تاريخية بحجم بعانخي وترهاقا وعمارة دنقس وتيراب والمهدي .... قيادات وطنية ذكية ، خالصة خلاّقـة ، صادقة القلب، أمينة عفيفة اليد واللسان ؛ يبدو أنها لا تتكرر سوى مرة كل ألف أو خمسمائة عام.