الجمعة، 14 أغسطس 2015

عقد تعدين الشركة الروسية الذهبي .... لماذا اليـأس؟

عقد تعدين الشركة الروسية الذهبي .... لماذا اليـأس؟

 مصعب المشرّف
14 أغسطس 2015

برغم كل الذي أثير حول مصداقية شركة التعدين الروسية ، التي جرى توقيع عقد التعدين عن الذهب معها بحضور الرئيس عمر البشير . فإن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو :
ماذا سنخسر لو أن هذه الشركة فشلت في إستثمارها؟


واقع الأمر لن نخسر شيئاً أكثر مما خسرناه من ضحايا جراء غزو محمد علي باشا السودان لأجل الذهب وغيره عام 1821م ثم وفي حروب التحرير بقيادة الإمام محمد أحمد المهدي ما بين 1881م و 1885م .. ثم وخلال حروب إعادة إحتلال السودان عام 1898م وتكريس الحكم الثنائي المصري البريطاني حتى إستقلال البلاد عام 1956م.


حين توجه محمد علي باشا لغزو السودان من مصر عام 1821م .. كان من ضمن أسباب غزوه السودان إستخراج الذهب من مناجم "بني شنقول" .... ولكنه بعد أن رفع إليه الخبير الجيولوجي الفرنسي المسيو كايـو تقريره السلبي (من هناك) عن حقيقة الإحتياطي في بني شنقول. وأن التكلفة ستكون أعلى من الإيراد (بحسب تكنولوجيا ذلك العصر) فقد صرف محمد علي باشا النظر ....

الخبير الجيولوجي الدكتورمحمد أحمد صابون  ؛ الذي أجرت معه الراكوبة اللقاء . نشكره ونشيد به للمدى الذي ذهب إليه من حبه لبلاده ، وسعيه لمصلحة شعبه.


ولكن الجانب الذي لم يثيره د.صابون هو توقعاته عن الخسائر التي يمكن أن تلحق بالبلاد وإقتصادها الوطني في حالة لو أن هذا العقد التعديني المبرم لم يأت بثمار منتجة.

الإجابة التي رشحت من مجريات وإجابات د.صابون لم تأتي بمحاذير تتعلق بإحتمالات لخسائر في الجانب السوداني.

معنى ذلك أننا لن نخسر شيئاً ..... حتى لو كان الروسي نصاب .

أكد لنا الخبير الوطني د. محمد صابون أنه جمع لنا 21 شركة روسية ؛ يمكنها أن تستثمر في السودان.

معنى ذلك أنه يؤكد بشكل مباشر أن فتح مجال الإستثمار للشركات الروسية ليس خياراً سيئاً .

لا أعتقد أن شركة التعدين الروسية . وفي كافة الأحوال ستتملك الأراضي السودانية التي منحت حقوق التعدين فيها عن معدن الذهب أو غيره... وسواء أكان هذا الذهب في شمال السودان وغربه ووسطه .... أو حتى مناجم بني شنقول محمد علي باشا الغازي المحتل بجيوشه وأسلحته النارية.

تشغيل عمالة وطنية يقع عبء تكريسها على الجانب السوداني .... وفي كل الأحوال فإن الشركة الروسية ولأسباب تتعلق بالتكلفة ؛ مجبرة في نهاية المطاف على تشغيل وتدريب عمالة سودانية.

هكذا فعلت الصين في مجال البترول ..... والثمار التي جناها السودان لجهة تدريب وتشغيل العمالة الوطنية في مجال البترول لا تخفى على أحـد.

ليس هناك من مجال لتكريس خطط إستيطان "الفلاح الروسي" في أراضي السودان لحل مشكلة الإنفجار السكاني الروسي ؛ وحاجته الماسة إلى الأرض والماء والغذاء على حساب الشعب السوداني..


ليست هناك حدود مشتركة بيننا وبين روسيا .. وليس بيننا وبينهم إمتداد طبيعي سهل الحيازة من الأراض حتى نشكك في نواياها ... ونخشى أطماعها وسطوتها..... أو أن تحذو روسيا حذو محمد علي باشا في غزوه السودان عام 1821م... ومشاركة أحفاده في إعادة غزونا عام 1898م.


ليس هناك تاريخ وسوابق من الغزو العسكري الروسي للسودان .. ولا نسمع بوزارة الدفاع الروسية تهددنا وتتوعدنا بالغزو والضربات وإسقاط النظام الحاكم في الهينة والقاسية .. ولا نسمع بالإعلام الروسي يستهزأ بنا ويقلل من شأننا ويسخر من عقولنا . ويهدد ويتوعد في الفارغة والمليانة كلما تمسكنا بحقوقنا الوطنية المشروعة.

وقصارى ما يتاح لشركة التعدين الروسية أنها في حالة فشلها في الحصول على التمويل اللازم من البنوك الروسية أو غيرها . فإن المتاح أمامها أنها ستنسحب من السودان وهي تجرجر أذيالها من الخيبة...

كذلك فإن العقد الذي تم التوقيع عليه لا يلزم الجانب السوداني بدفع نعويضات إلى شركة التعدين الروسية هذه في حالة لم تجد ذهباً يستحق التعدين.

مسألة مبالغة وزارة التعدين السودانية في تقدير إحتياطي الذهب السوداني لن تضيرنا في شيء .....  فالذهب في نهاية المطاف يبقى في الأرض .. وكل  ما يبقى في الأرض فهو ينفع الناس .. وأما الزبد فيذهب جفاء.
ومع تقدم وسائل التكنولوجيا ؛ فحتماً يصبح بالإمكان تخفيض تكلفة إنتاج الذهب مستقبلاً .

وتبقى الإحتياطات المعلنة في نهاية المطاف "مسألة تقديرية" . لا يحق لمستثمر أجنبي أن يحاسبنا على مصداقيتها .. آخذين في الإعتبار أن تحديد نسبة وكمية الذهب تظل على عاتق المستثمر الأجنبي وحده.

مكاسب حزب المؤتمر الوطني من توقيع عقد التعدين الروسي ؛ تظل هي الأجدر بالرصد والتقييم هنا ......

سيجني جزب المؤتمر الحاكم مكاسب سياسية متوسطة المدى .. ويكتسب الرئيس البشير شعبية ....... وبما يسهم في تهدئة مشاعر السخط وتبعث الأمل والرجاء في نفوس الشباب العاطل عن العمل ... وعامة الشعب الباحث عن لقمة العيش في كبَـد.

إبرام عقد التعدين مع الشركة الروسية سواء أكان مثمراً عيار 24 قيراط أو فالصـو .. فإنه في قاموس العمل السياسي يعني تخدير الشعب وبعث الأمل في كوابيسه .. وإلـى حــيـن.

ومن وجهة نظر حزب المؤتمر الوطني ؛ فإنه إن يحلم الشعب بغـدٍ مشرق أفضل بكثير من أن لا يحلم ... أو أن يفقد الأمل فيثور على نظامه الحاكم .
أن يرى الشعب الجائع بصيص ضوء في آخر النفق ؛ خير من أن لا يرى ضوءاً على الإطلاق.
لا بل وأن يجري ريق الشعب ويسيل لعابه ؛ خير وأفضل بكثير من أن يُجبر على لحس كوعه. 

النظام الحاكم (26 سنة ويزيد) تراكمت لديه من الخبرة ما يكفي كي يدرك أن إستغراق الشعب في ترديد قول الشاعر: "سال من شعرها الذهب" ... خير وأفضل بكثير من ترديده لقول الآخر : "لـــون شعـرك سواد حـظـي".

الاثنين، 10 أغسطس 2015

ساعة إعتقال البشير في نيويورك آتيةٌ لاريب فيها

ساعة إعتقال البشير في نيويورك آتيةٌ لاريب فيها





مصعب المشرّف
8 أغسطس 2015م

أذكِّر الناس في البداية بما جاء ضمن أخبار يوم الإثنين 16 سبتمبر 2014م ؛ أن وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت على لسان المتحدثة بإسمها "ماري هارف" ؛ ما يفيد بأن واشنطون قد تلقت طلب من الرئيس السوداني عمر البشير الحصول على تأشيرة دخول الولايات المتحدة ، لغرض حضور إفتتاح أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها الكائن بمدينة نيويورك .......

وأضافت السيدة ماري هارف :
[أن وزارة الخارجية الأمريكية تندد بأي محاولة من جانب البشير للمضي في طلب التأشيرة . ومنوهة بأنه يتعين عليه عدم دخول الولايات المتحدة لأنه متهم بجرائم حرب . وأنه بدلا من المجيء إلى نيويورك يتوجب عليه تسليم نفسه للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي التي أعدت لائحة إتهام بحقه.......]

والحصيلة التي إنتهت إليها تلك الزوبعة كانت رفض القنصلية الأمريكية في الخرطوم منح تأشيرة دخول للرئيس عمر البشير ..... وبذلك تم رفع العتب وإغلاق الباب بدهاء .... وتنفس القصر الجمهوري الصعداء.

واليوم مع بداية الأسبوع الأول من أغسطس 2015م . جرى الإعلان عن تلقى الرئيس عمر البشير دعوة (روتينية) من الأمانة العامة للأمم المتحدة عبر وزارة الخارجية السودانية ؛ لإلقاء خطاب من منصة الجمعية العامة ، بوصفه رئيس دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة ، وتسدد الإشتراك المالي  المنصوص عليه في حق أعضاء هذا "النادي" الدولي ...

اليوم تعيد الخارجية السودانية نفس المشهد . مع إختلاف طفيف هو تغيير الوزير من علي كرتي إلى د. غندور .....

ويبدو أن الخارجية السودانية قد أعجبتها "اللعبة" واستمرأتها ؛ فذهبت لإعادة إنتاج نفس السيناريو الذي إبتدعه كرتي.

يقولون : " ليس في كل مــرّة تسلم الجــرّة ".
وتكرار نفس السيناريو الهندي على أمل أن تخرج المسرحية بنفس النهاية  "السعيدة" ؛ ينطوي على مخاطر جمّة ومتنوعة كثيرة ....
وإذا لم يكن في ملابسات جنوب أفريقا الواعظ . فلا فائدة إذن من كل المواعظ.



ربما تكون الولايات المتحدة قد توصلت أخيراً إلى قناعة بشأن الإستجابة لمقترحات حلفائها في الدول الغربية بشأن إرساء قواعد الديمقراطية في القارة الأفريقية ؛ وبوصفها الضامن الأكثر لمحاربة الفساد غير المسبوق المستشري في هذه القارة . والذي نجم عنه إزدياد حالات الفقر بين شعوبها .. وهو الأمر الذي نتج عنه نشوب نزاعات مسلحة ومساس بحقوق الإنسان وإبادات جماعية .. ثم والأخطر من كل هذا وذاك هو تصدير القارة الأفريقية لمنتجات فسادها الحكومي هذا على هيئة أعداد متنامية من المهاجرين غير الشرعيين نحو سواحل البلدان الأوروبية الغربية على النحو الذي تفاقم الآن.

التصاعد والنقلات النوعية في أمواج وحشود المهاجرين غير الشرعيين من القارة الأفريقية؛  شكل في الأسبوع الماضي أعلى درجات فعالياته التي صادرت النوم من عيون أهل الغرب أجمعين وليقفز الحدث إلى صدر إهتماماتها ؛ وذلك بعد تدافع المئات من هؤلاء الأفارقة نحو نفق المانش متجاوزين الأسوار الأمنية الأربعة . ركضوا مسافة  31 ميل  في محاولة لدخول بريطانيا .... غير مبالين بسرعة القطارات العابرة لهذا النفق (100 ميل/ساعة) .. وعلى نحو أدى لتوقف حركة النقل الكثيفة بين بريطانيا وفرنسا . وأضطرت سلطات مكافحة الشغب الفرنسية إلى الإستنجاد بنظيرتها البريطانية.

قامــت أوروبا إذن ؛ واستيقظت تهتز وترتج على وقع زلزال المهاجرين الأفارقة  .. ولن تقعــد ما بين عشية وضحاها.

والمتتبع لمجريات الأحداث وتيرمومتر الهواجس الأوروبية . يلاحظ أن ظاهرة هجرة الأفارقة غير الشرعية نحو السواحل الأوروبية قد طغت مؤخراً حتى على الهواجس بشأن ظاهرة جهاد الإرهاب ... وتهديدات النصرة والدواعش بتدبير تفجيرات وأعمال إنتحارية . وتنفيذ مشاهد إعدامات وقطع رؤوس وضرب أعناق مرعبة داخل الأراضي الأوروبية.



والشاهد اليوم أن المهاجرين الأفارقة قد سبقوا النصرة والدواعش إلى الأراضي الأوربية.....

وطالما كان الأمر كذلك ؛ فعلينا أن نتوقع تغيرات وضغوط أوروبية قوية فاعلة بشأن إصلاح الأحوال السياسية وحقوق الإنسان في القارة الأفريقية .. بوصف أن هذه الأحوال السياسية هي السبب الأول والأخير في تفشي ظاهرة الفقر والهجرة للإنسان الأفريقي.

وبالطبع فإن الأحزاب الحاكمة في الدول الغربية ستسارع بالتزامن مع معالجة هذه الظاهرة الأفريقية .. ستسارع إلى تقديم أكبر عدد من المسئولين الأفارقة كأكباش فداء أمام محاكمها ومحاكم الجنائية الدولية لإمتصاص الضغوط الشعبية الداخلية لديها كأحد الحلول على المدى المتوسط والسريع الآن.... ثم وإرسال رسائل قوية لكافة حكام القارة الأفريقية . تدفعهم إلى التعامل بالجدية اللازمة مع ظاهرة الفساد وسرقة المال العام "المجنونة" ؛ التي تجتاح القارة وتأكل الأخضر واليابس .. أو كأنها سياسة دولة وغايـة.

قبل أسابيع (في نهاية يونيو الماضي تحديدا) ، تم إستدراج رئيس المخابرات الرواندي الجنرال (كورينزي كاراكي) إلى دخول بريطانيا .... تم ذلك بواسطة دعوة رسمية وجهها له نظيره البريطاني ،،،،،  وهناك في صالة كبار الزوار بمطار هيثرو كان على موعد مع القدر .. وفوجيء (وهو رئيس إستخبارات بلاده) أن هناك مذكرة إعتقال قضائية صادرة بشأنه من العاصمة الإسبانية مدريد ...... وهناك أيضا مذكرة مثيلة من المحكمة الجنائية الدولية .... وأنه كان آخر من يعلم.
ومنذ ذلك اليوم لا يزال كاراكي حبيس حدود العاصمة لندن الكبرى؛  في إنتظار قرار المحكمة بتسليمه إلى القضاء الأسباني من عدمه .... وحيث رفضت المحكمة من حيث المبدأ الأخذ بدفوع محاميته لتركه يعود إلى بلده بذريعة مايسمى بالحصانة الدبلوماسية .. هذه الحصانة ذات المعنى والمفهوم المغلوط لدى الأفارقة.

شهية المحكمة الجنائية تبدو مفتوحة ... ويكاد لعابها يسيل وهي تحلم أن يمثل أمامها رئيس دولة أفريقية عربية إسلامية من العيار الثقيل على رأس منصبه ..... رئيس يحمل على كاهله تهماً تتعلق بإبادة 300,000 شخص وأكثر من أبناء شعبه في دارفور ؛ وتشريد أكثر من مليون منهم .... ناهيك عن ما قد يثار خلال جلسات المحاكمة حول تفاصيل وضحايا النزاع المسلح في النيل الأزرق وجنوب كردفان .. فالثور إذا وقع كثرت سكاكينه ..... وهو ما يعني جملة وتفصيلا أنها ستكون محاكمة الألفية الجديدة ..

ولو حدث ذلك . فلا شك أن فصول هذه المحاكمة سيتمخض عنها ، وعن القرارات والأحكام الصادرة فيها ملامح أفريقيا الجديدة لجهة الحُكْم والإدارة ... وتوصيات قضائية مرجعية دولية ترسم الخطوط العامة لتغيير الحال الأفريقي بالقوة الجبرية من خارج القارة ؛ حتى لو تطلب الأمر الحجر"المؤقت" على إستقلال بلدانها واحداً على إثر الآخر ؛ مثلما هو عليه الحال في أفغانستان والعراق.
 
وإتساقاً مع هذه الأفكار التي يجري إعدادها في المطبخ الأوروبي والولايات المتحدة على نار هادئة ......... فمن يضمن لعمر البشير أن لا توافق القنصلية الأمريكية في الخرطوم على منحه تأشيرة دخول الولايات المتحدة هذه المرة ؛ بغية إستدراجه إستدراجاً يسيراً إلى عرين الأسد الدولي الحقيقي والقطب السوبر الأوحد؟

سيقع الرئيس عمر البشير في مأزق كبير ، وموقف محرج لو وافقت القنصلية الأمريكية في الخرطوم على منحه تأشيرة دخول.

لن يحصل البشير على تعهدات مكتوبة أو شفهية من الولايات المتحدة أو بانكي مون .... فالأمر خارج عن إرادتهما وسلطاتهما ؛ ويتعلق فقط بإرادة المدعية العام للمحكمة الجنائية الدولية (المعترف بها دولياً كهيئة قضائية) ومرجعيتها الدولية  القانونية الملزمة للقضاء الأمريكي " تجاه الأجانب " داخل أراضيه .

ولن يكون موافقة السفارة على منح الرئيس البشير تأشيرة الدخول قراراً سرياً قابلاً للإبتلاع ..... بل نتوقع أن تنبح وتعـوي به الخارجية الأمريكية من واشنطون أيـُّـما نباح وعواء دون إنقطاع ، بهدف إحراج البشير وإستدراجه إلى ساحة قضاء نيويورك.

إذن ؛ ومن جانبه . سيقع عمر البشير بين نارين أخفها تلـظَّـىَ والأخرى سعِــير .
وسيكتشف بعد فوات الأوان أنه قد أصبح وحيدا بين أسنان الفك المفترس ؛ بعد أن كان مستشاروه قد أوهموه في الخرطوم بأنه سيحقق في نيويورك نصرا معنويا حاسماً ؛ يطغى على "قصة" جنوب أفريقيا .... ويمحو سطورها من أذهان شعبه والعالم بإستيكة.

إذا نكص عمر البشير عن تلبية دعوة بانكي مون والسفر إلى نيويورك رغم حصوله على تأشيرة الدخول . فإنه سيصبح لبانة في ألسنة الخلق بالداخل والخارج .. وهدفا للشماتة والتقريع والتهكمات ... وأوصاف لايحتملها قلب إنسان عادي ناهيك أن يكون رئيس دولة أفريقية عربية . وأحد منتجات بيئة محلية سودانية يتباهى فيها الرجل بشجاعته وإقدامه ومروءته بمثل ما تتباهى فيه الفتاة بعفتها وحفاظها على غشاء بكارتها ؛ مقياس شرفها ورمز مصداقيتها ...

وعليه فإنه إذا مضى الرئيس البشير قدما نحو تلبية دعوة بانكي مون لزيارة مقر الأمم المتحدة والمشاركة بإلقاء خطاب . فإن الذي أتوقعه سيكون كالتالي:

1) سيجد في إنتظاره مذكرة إعتقال وجلب مُحكمة التوصيف ؛ وضعتها المدعية العامة للمحكمة الجنائية أمام القضاء الأمريكي في نيويورك.

2) القضاء الأمريكي أو غير الأمريكي في كافة الدول الأخرى ؛ ملزم بأن يأخذ في الإعتبار ضرورة النظر في مذكرة المدعية العامة بالمحكمة الجنائية الدولية وفي كافة الأحوال.

2) بغض النظر عما إذا كانت الولايات المتحدة منضوية في عضوية المحكمة الجنائية من عدمه . فإن إلتزاماتها الدولية كشرطي للعالم .. ولكون أن مقر الأمم المتحدة يقع داخل أراضيها .. فإنه لا مجال هنا لمجرد التفكير في "قدرة" الحكومة الأمريكية التدخل في شأن قرارات المحاكم فيها أو الحد من حرية القضاء .

3) على الرئيس عمر البشير أن يدرك وحده هذه المرّة (بعيدا عن جهل مستشاريه) أن القضاء الأمريكي وإن كان يرفض تسليم مواطن ومسئول أمريكي للمحكمة الجنائية الدولية على إعتبار أن بلاده غير عضو فيها ..... فإن هذا لا يمنع من أن تستمع المحاكم الأمريكية إلى طلبات المحكمة الجنائية الدولية المتعلقة بمواطنين ومسئولين "أجــانـب" متواجدين داخل حدود أراضيها...

ومن ثم فمن الحماقة والتغفيل أن يتوقع مستشار قانوني خارج الولايات المتحدة ؛ والحال كهذه أن تكون على رأس القضاء الأمريكي ريشـة؟

والمشكلة هنا التي سيفاجأ بها عمر البشير هي أن القضاء الأمريكي في نيويورك ليس كالقضاء الأفريقي في جنوب أفريقيا ... والرئيس الأمريكي في واشنطون ونيويورك ليس كمثيله الزوما في ديربان وجوهانسبيرج .. والقواعد العسكرية الأمريكية ليست كمثيلاتها في القارة الأفريقية.

والطامة الكبرى في هذه الحالة هي إما أن يتم إعتقال عمر البشير تحفظيا داخل السجون الأمريكية إلى حين صدور قرار قاضي نيويورك بالموافقة على تسليمه للمحكمة الجنائية من عدمه........ أو في أفضل الأحوال أن يتم الحصول على أمر بالإفراج المؤقت عنه نظير كفالة لا تقل عن 6 مليون دولار . مع تقييد حريته في التحرك ضمن حدود مدينة نيويورك وضواحيها فقط .... وإلى حين إنعقاد الجلسة الخاصة بالنظر في شأنه.

4) المشكلة المتوقعة في هذه الحالة ؛ هو أن تمتد فترة النظر في أمر تسليمه والمداولات ، وتبادل المذكرات بين محاميه ومحامي المحكمة الجنائية الدولية إلى شهور وربما سنوات....
وفي هذه الحال ستدخل البلاد في مطب دستوري ناجم عن الفراغ الذي تركة الرئيس عمر البشير ؛ نتيجة إبتعاده المكاني والزماني الطويل عن مزاولته مهام منصبه الدستوري في الخرطوم... وهو ما سيؤدي إلى خلعه عن منصبه وجلوس نائبه بكري حسن صالح على كرسيه لإستكمال الفترة الرئاسية المتبقية.
............
أهل الغرب الأوروبي يجيدون إدارة الحروب النفسية وسياسات الضعط بفعالية منتجة ... والمؤسساتية لديهم تكفل الإستقرار في السياسات .. وبالتالي لاتتغير الإستراتيجيات بتغير المسئول والحاكم .
 

والشيء الملاحظ اليوم أن الرئيس البشير قد ضاق ذرعاً بملاحقات المحكمة الجنائية حيثما كان وأينما حل ... 

لقد أصبح العبء النفسي ثقيلاً عليه . وكأنِّي به يشعر اليوم أنه معتقل داخل أضلاع صدره  ؛ ويدفعه ذلك إلى إتخاذه لقرار أسفاره الخارجية القريبة لمجرد نفي التهمة عن نفسه ....

كل النواب والمساعدين والوزراء والولاة وقادة حزبه يسافرون ، ويستمتعون بإجازاتهم في تركيا وشاليهات الريفيرا ومنتجعات الغابة السوداء ... وينعمون بالبهجة في ضيافة حسناوات البلطيق و شقراوات الإسكندناف .. ثم يرفلون في نعيم ومتعة التسوق من أغلى متاجر وشوارع لندن وباريس وميلانو رفقة زوجاتهم .. ويعرضون أنفسهم على أشهر الأطباء في أفضل المستشفيات ... يجرون التحاليل بلا حساب  .. يستبدلون الأعضاء ويرممون المفاصل .... ويحصلون على أنجع تكنولوجيا الصيانة ، وتصحيح النظر وتكثيف العظام ... وتسليك الشرايين ، وإرواء وتقسية العضلات ما ظهر منها وما بطـن .... ولكنه هو الرئيس بجلالة قــدر منصبه لا.

حين تعرض صدام حسين للحصار ، وأصبح مجرد تفكيره في مغادرته لبلاده كابوساً يخشاه . لجأ بطريقة تلقائية إلى تشييد القصور على نحو مبالغ فيه أدهش كل العالم حتى يومنا هذا ..... ولكن ربما لا يعلم الناس أنه إنما كان بذلك يهرب من إحساسه الداخلي بأنه محاصر من كل جانب.... فأصبح يرى في هذه القصور ملاذاً له للهروب من ذاته المحاصرة.

ربما يكون صدام حسين قد أفلح إلى حد كبير في معالجة حالته النفسية بإمكانيات بلاده الذاتية .... ولكن غاب عن تفكيره إحتمال أن تأتيه الولايات المتحدة بنفسها في نهاية المطاف لتنتزعه من جوف أرضه.

فهل يبادر عمر البشير ويسعى إلى حتفه بظلفه . بعد أن ملّ من الضغوط النفسية التي تفرضها عليه حالة الإنتظار والترقب ؟ ....

لا أشك مطلقاُ أنه وفي حالة المكابرة بالسفر إلى نيويورك .... فإن ساعة إعتقاله هناك وتقديمه للمحكمة الجنائية الدولية ستضحى آتية لا ريب فيها.